fbpx
رأي

ما الله ؟ محاولة للإجابة على هذا السؤال من خلال تأملات قرآنية

نعتقد أنه من الطبيعي أن يسأل الإنسان نفسه في لحظات غير قليلة بسؤال محير مفاده: ما الله ؟

وقد يتوجه بهذا السؤال إلى غيره ممن يثق في ذكائهم الإيماني، ويعتقد في كونهم موهوبين ومؤمنين، أو يسكت ولا يسأل مخافة أن يعترض عن سؤاله من طرف غيره، أو أن يرمى بما هو بعيد عنه. لكن من غريب اللطائف أن هذا السؤال اعتبره الله طبيعيا وعاديا ومشروعا بل وأعطى إجابات متنوعة عن هذا السؤال الوجودي، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب).

بل من الجمال واللطف والمحبة والعلو الرباني أنه سمح به لأنبيائه، فقد قال موسى لله مباشرة: (قال رب أرني أنظر اليك)، إن موسى لا يسأل فقط عن الله أو من هو الله، بل يريد رؤيته مباشرة.

لكن الناس تسأل عن الله مراراً وتكراراً بهدف معرفته، أو بنفوس مليئة بالأمل والحنين والشوق لرب جميل يحسونه في دواخلهم، وأحياناً أخرى بوجدانيات مليئة بالخوف منه أو من واقعهم، بل وقد يسألون عنه في حالات اليأس العميق، وفي بعض الأحيان قد يصمت هذا السؤال ولا يخرج إلى الوجود وإن كان يملأ الصدور بل يغمرها، وهناك من الناس من يعيش بدون الله لدرجة أنه لا يسأل عنه إما حسما مع نفسه في ألوهية ذاته، أو فقط لأنه لا يهتم بوجود الله من عدمه مع أنه جوانيا على يقين من أن الله موجود.

لكن ماذا يعني في الواقع أن نطرح هذا السؤال؟

إنني أعتقد أن من يطرح سؤال الله، يطرح سؤال الوجود، يطرح سؤال هذا الكل المركب الذي يلفنا ونلفه، يطرح سؤال البدايات والنهايات والسيرورات والانتقالات والأزمات والتطورات والعلوم والحيوانات والجمادات والنباتات، لكن هناك أمر أعمق من هذه الموجودات الظاهرة، إن السؤال عن الله هو سؤال عن الإنسان، سؤال عن النفس كذلك، سؤال عن ماهية الإنسان، سؤال عن حريته وإرادته وخيره وشره.

ويكاد يكون سؤال الله هو أهم سؤال على الإطلاق في الوجود، لأن ما دونه متعلق به وتابع له لزوما. ومن عظمة الإنسان أنه هو الكائن الوحيد (هل الأقل فيما نعرف حتى الآن) الذي يمكنه أن يطرح هذا السؤال، وقد يمكنه الجواب عنه من إيجاد إيجابات تهمه مباشرة كإنسان، فهو سؤال حول الله، لكن أجوبته تعانق الإنسان جملة وتفصيلا في أعماله، وأفكاره، وإنتاجاته المادية والمعنوية، في وجوده ومصيره، وسر حياته، بل في معنى ودلالة وجوده، وطريقة عيشه، ومسالك تنفيذ خطوات برنامج حياته…. لذلك وإن كان يظهر أن هذا السؤال تجريديا فهو في نفس الوقت مرتبط أكثر من غيره بالواقع العملي للإنسان.

ولأن السؤال جد مجرد، وجد عملي، ومركب من أعلى درجات التركيب، فلا يمكن لمن يتحدث عن الله أن يقول إنه يعرفه معرفة مطلقة أو أن الله واضح له وضوحا جليا لأنني أعتقد أن الأمر فيه وضوح وغموض، كما أظن أن في هذه الازدواجية في الماهية تتجلى عظمة الله، ويحلو النظر في سؤال: ما الله ؟ لأنه لو كان جليا لانتهى الأمر، لكن لكونه جلي وغامض استدعي الإيمان لا العلم، ففي الإيمان بالله شطر علمي وشطر إيماني، والشطر الإيماني هو مربط الفرس. ذلك أن الشطر العلمي متاح كوسمولوجيا ومنطقيا وتجريبيا ولو بنسبة معينة لكل الناس، والشطر الإيماني مخفي، وإخفاؤه هو بؤرة الإيمان ولبه، إذ بالعلم تستوي الحقائق عند الناس وبالعلم والإيمان تتفاوت القناعات والمعتقدات، فيقترب من يريد الاقتراب ويبتعد من يفضل الابتعاد.

لكن أين يمكن أن نجد الجواب عن سؤال: ما الله ؟

نحن أمام مسلكين: العلم والدين، ولأن العلماء قالوا لنا بأن أمر الله يتجاوز أدواتهم وهم عاجزون عن فهمه وإيجاد تفسير له، تركوه للأديان بالأساس وللفلسفة بعد ذلك.

أعتقد أنه أمام سؤال: ما الله؟ تنهار وتتفكك لغة الإنسان ومفاهيمه، وتعجز عن إبلاغ ماهيته، وبالرجوع إلى الدين وهنا أقصد الإسلام بالخصوص باعتباري مسلما، أفترض أن الجواب عن سؤالنا يقتضي منا البحث لا في كيف فكر الإنسان في الله (الفلسفة-علوم الدين.) بل كيف عرف الله نفسه للإنسان؟ ماذا قال هو عن نفسه عز وجل؟ وسيكون تحليلي مشدودا ومسيجا بإيماني به، لا بشكي في وجوده، فلا يهمني من شك، لأنني مومن به، والإيمان عندي من مقتضيات معرفة الله، فكل مقطوع عن الإيمان مقطوع عن الجواب عن سؤال: ما الله؟ ذلك أن العلم أعلن منذ زمن أن الله يتجاوز منهجياته وأدواته وحتى دائرة بحثه واهتمامه.

يتحدث الله عز وجل عن نفسه بأنه نور السماوات والأرض، وأنه حي قيوم، وبأنه رحيم، وبأنه شديد العقاب، وبأنه خافض ورافع، ومحيي ومميت،…..كل الصفات والأسماء تقول الكثير مما نفهمه من دلالاتها، كما قد يصيبنا العجز في فك دلالات ما نعتقد أنه يتناقض منها، بل إن الله عز وجل يحمل صفات نعتقد أن الإنسان يشاركه فيها، بل أكثر من ذلك يوجد في كل شيء، وفي كل الاتجاهات، وفي نفس الوقت لا نراه وليس كمثله شيء، لهذا قلت أن اللغة والمفاهيم تنهار أمام الله فهي لا تسعه عز وجل، فكما أنه أخبرنا بهذه الصفات أخبرنا كذلك بأنه لم يلد ولم يلد، وأنه لا شبيه له، وأنه لا كفء له، إنه من خلال سورة الإخلاص ينزع الشبه عن نفسه بالإنسان بالمطلق، وبذلك يزيل المصداقية عن منهج تفكيرنا فيه وهو قياسه على الإنسان.

مما يجعل تصورنا عنه يهتز ويرتعد ويسقط لأن سُمك وكثافة مفهوم الله عالية ومتجاوزة لماهية الإنسان. وهنا يجتمع في النظر إلى الله وماهيته عز وجل جانب فيه شيء من الوضوح قياسا على معرفتنا بالإنسان، وجانب فيه إخفاء لا ندرك عناصره لأنه يستدعي الإيمان لا العلم بمعناه المعاصر، فالله لا يُعرف تجريبيا بالحواس والملاحظة والقياس.

وما أن نواصل البحث حتى يزداد الأمر تعقيدا في قصة إبراهيم مع الكواكب والنجوم، لينزع الله عن نفسه الشبه بالكائنات الأخرى لأنه يعلم أن الخيال الإنساني قد يذهب به إلى أبعد مداه في تخيل الإله القاهر الكبير العالي المتعالي في السماء. هنا يضعنا أمام تحد فكري واعتقادي ومنهجي آخر ومفاده أن كل أنواع القياس التي ستخطر على بالكم ليست مناسبة لي وأنا لست ما تتصورون، سبحانه.

أما مع قصة موسى ورؤية الله، فقد زاد الأمر كثافة وعمقا، إذ نزع الله إمكانية رؤيته من أصلها في هذه الحياة الدنيا جملة وتفصيلا من طرف الإنسان في وضعه وإمكاناته الحالية، إذ كان كافيا فقط أن يتجلى الله إلى الجبل فينهار هذا الأخير، وينهار معه موسى عليه السلام ويفقد وعيه، ليقول لنا عز وجل: إنكم غير مجهزين في الدنيا بأية أدوات حسية يمكن أن تدركوني بها، فلا يبقى أمامكم إلا الإيمان. وبآية (ليس كمثله شي): نزع الشبه عن أي شيء نعرفه، وانهارت أدواتنا بالتمام والكمال ولم يبق إلا الإيمان أو الكفر.

وعليه، يمكن فقط أن نقول ما ليس هو الله لكن لا يمكن أن نقول بالضبط ما هو الله لأنه أخفى نفسه عنا في هذا الوجود المنظور ليظهرها لنا يوم لقائه في الوجود غير المنظور، واكتفى في هذه الدنيا بإعطائنا أدلة منطقية وأخرى علمية توصلنا إلى احتمال وجود الله ولا تفي بالاقتناع العقلي العلمي المطلق إلا إذا عانقت الإيمان، ولو جعل الله الأمر علميا وتجريبيا بالمطلق لأصبح شيئا وظاهرة قابلة للبحث، بل لما أصبح إلها ولدخل في زمرة الأشياء التي يسيطر عليها الإنسان بالعلم، وهو منزه عن ذلك لأنه (سبحان الله عما يصفون).

فكما أن الإنسان حر ويمتلك إرادة، فإن حرية الله وإرادته لا حدود لها حتى أضحت حرية الإنسان وإرادته من فيض الله على الإنسان، وبناء عليه يفعل الله ما يشاء في الوجود ويتنزه في ملكه ويظر ما يشاء ويخفي ما يشاء. أليس هو: َبدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) الأنعام).
إنه عز وجل مختلف تمامًا. بل يكاد يكون غريباً على الجميع وفي نفس الوقت معروفا للجميع، يظهر نفسه ويخفيها بعلامات أو إلهامات أو أحداث.

لكن هذا بالضبط هو ما يجعلنا نعتقد أن التفكير في الله يستدعي التحدث إليه لا عنه، وبما أراده هو لا بما نريده نحن، ولم لا أن ننخرط في قصة إيمانية معه عز وجل كقصة رمضان وأيامه، أو قصة الحج، أو قصة أزمات الخوف أو الفرح…. إن الجواب عن سؤال ما الله؟ يفترض بناء عليه، أن نكون على استعداد للبحث عنه تعالى في ملكه، لاكتشافه كما يقدم نفسه هو لا كما قدمه لنا غيرنا من خلال تأملاتهم واجتهاداتهم، وأن نكون أكثر جرأة في طرح سؤال جوهري مهم: هل واقعنا التجريبي منفصل عن المعنى؟ وهل سلوكاتنا منفصلة عن المعاني؟ وهل ما نعتقد أنه واقع تجريبي هو بالفعل الواقع الحقيقي أم أن اجتهادات غيرنا فصلت الواقع بناء على أدوات القبض عليه، فما أمسكت به اعترفت به، وما تجاوزها استبعدته؟ وهل استبعاده يحيل على كمال المنهج أم العكس؟ وكيف السبيل إلى مناهج أعمق وأدق تتصف بالتكامل لا بالاختزال؟ دعونا نحلم معكم ولا تحاسبوننا على أمانينا وآمالنا، ونتمنى أن تقبلوا منا تأملاتنا، والله ولينا جميعا. دعاؤكم

الوسوم

الدكتور عبد الجليل أميم

أستاذ جامعي ومدير مختبر سبل LCP (اللسانيات، التواصل، البيداغوجيا) بكلية الآداب جامعة القاضي عياض

مقالات ذات صلة

إغلاق