رأي
الأستاذ الحسن اللحية : رجل قتله التعليم

في أول أيام السنة الجديدة، غادرنا رجل كرس حياته لخدمة التعليم المغربي، دون أن ينتظر مقابل أو شهرة زائفة. إنه الأستاذ الحسن اللحية ، الخبير التربوي والباحث البارز في علوم التربية، الذي توفي بعد أزمة صحية مفاجئة أدت إلى نقله إلى مستشفى الشيخ زايد بالرباط، حيث رقد في قسم العناية المركزة قبل أن يفارق الحياة ويرحل في صمت يعكس حالة الإهمال التي يعاني منها أمثاله في منظومة التعليم المغربية.
ولد الحسن اللحية في بيئة ثقافية وفكرية ثرية، ساهمت في تشكيل شخصيته واهتمامه بالفكر والفلسفة. بدأت رحلته التعليمية بالحصول على الإجازة في الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 1991، ثم تلاها دبلوم الدراسات المعمقة في تاريخ الفلسفة من نفس الكلية. هذه المرحلة الأكاديمية الأولى كانت بوابة دخوله إلى عالم الفكر التربوي، حيث انتقل تدريجياً من الفلسفة إلى علوم التربية، مستلهماً من التراث الفلسفي أدواته لتحليل وإصلاح المنظومة التعليمية.
بدأت مسيرة الحسن اللحية المهنية كأستاذًا للتعليم الابتدائي ما بين 1992 و1999، درّس خلالها الأقسام المشتركة والمنفردة بعدد من مناطق المغرب، من بينها أزيلال والخميسات وسلا الجديدة والرباط.. لكنه اشتهر كأستاذ مكون في مركز التوجيه والتخطيط التربوي بالرباط، حيث راكم رصيداً بحثياً هائلاً يتمحور حول قضايا أساسية مثل بناء الكفايات، الوضعيات التعليمية، والتقويم البيداغوجي. لم يكن اللحية مجرد نظري، بل كان ممارساً ميدانياً، يجمع بين النظرية والتطبيق، ويشارك في النقاشات العمومية حول إصلاح المنظومة التعليمية المغربية. على مدى عقود، واكب مختلف المخططات والمشاريع الإصلاحية، متفاعلاً معها بنقد بناء ومقترحات عملية. من أبرز محطات مسيرته المهنية، عمله كباحث في علوم التربية، حيث أصبح مرجعاً لدى فئات من المدرسين والمكونين في موضوع بيداغوجيا الكفايات. كما شغل منصب أستاذ مكون، مساهماً في تكوين أجيال من المعلمين، مع التركيز على الجودة المهنية والتدريب الذاتي والمستمر.
في تفاصيل مسيرته، يبرز انتقال الأستاذ الحسن اللحية من الدراسات الفلسفية إلى التربوية كخطوة حاسمة. بعد تخرجه في الفلسفة، انخرط في بحوث تربوية عميقة، مستكشفاً المسار الذي قطعته علوم التربية، كما في محاضراته المسجلة على يوتيوب . كما شارك في نقاشات حول الإصلاح الحقيقي للتعليم، كما في مداخلاته القوية حول مراجعة ساعات عمل الأساتذة وورش الإصلاح. في السنوات الأخيرة، كشف عن معطيات مثيرة حول دور المفتشين والموجهين التربويين، مقترحاً إنهاء دورهم في بعض الجوانب، معتبراً أن بعض الآليات القديمة تعيق التقدم.
أما أشهر أعماله، فتشمل كتباً ومؤلفات أصبحت مرجعاً في المجال التربوي. من أبرزها “كفايات المدرس(ة) المهنية ومرجع الكفايات: التكوين الذاتي التكوين الأساسي والمستمر التهيؤ للامتحانات المهنية”، الذي نشرته منشورات المعارف عام 2017، ويركز على تطوير الكفايات المهنية للمدرسين. كما ألف “دليل علوم التربية”، الخاص بهيئات التدريس الابتدائي والإعدادي والثانوي للإعداد للامتحانات المهنية، والذي يغطي الأطر المرجعية الخاصة بعلوم التربية. بالإضافة إلى ذلك، كتب مقالاً بعنوان “أي أفق تربوي وبيداغوجي لمغرب المستقبل؟”، حيث يناقش إلغاء بيداغوجيا الإدماج وغيرها من القضايا الإصلاحية. هذه الأعمال ليست مجرد كتب، بل أدوات عملية ساعدت في تكوين آلاف المعلمين، وأثرت في النقاش الوطني حول التربية.
يمثل الحسن اللحية نموذجاً للخبير التربوي الذي يرى في التعليم رسالة حياة، لا مجرد مهنة. إسهاماته في بناء الكفايات التربوية، على سبيل المثال، كانت تؤكد على أهمية تطوير المهارات لدى المتعلمين، بعيداً عن الحفظ الآلي والتكرار السطحي. كان يدافع عن الوضعيات التعليمية كأداة لتحفيز الابتكار والتفكير النقدي، ويؤكد على التقويم كوسيلة لقياس التقدم الحقيقي، لا مجرد الدرجات. هذه الأفكار لم تكن جديدة، لكن اللحية جعلها جزءاً من النقاش الوطني، من خلال حضوره في المنتديات والمحاضرات، حيث كان يقترح حلولاً عملية لمشكلات المنظومة التعليمية المغربية، مثل ضعف الإصلاحات المتتالية وعدم التوافق بين النظرية والممارسة. كان يرى أن التعليم ليس مجرد نقل معارف، بل بناء شخصيات قادرة على مواجهة تحديات العصر، وهذا الرؤية جعلته ينخرط في كل المخططات الإصلاحية، من الميثاق الوطني إلى البرامج الحديثة.
قبل وفاته بأيام، تعرض لأزمة صحية حادة، ونقل إلى مستشفى الشيخ زايد، لكن هناك روايات عن رفض المستشفى قبوله إلا بعد تقديم شيك ضمان، رغم حالته الحرجة. هذا الحادث يعكس، في رأيي، الإهمال الذي يعاني منه الخبراء التربويون في المغرب: رجل أعطى عقوداً من عمره للتعليم، يجد نفسه في لحظة ضعفه يعامل كمواطن عادي، دون أي امتياز أو تقدير لإسهاماته.
في الوسط التربوي، أثار رحيل اللحية موجة من التعازي والتكريمات. فاعلون تربويون وسياسيون نعوه، مشيدين بإرثه في تطوير الفكر التربوي بالمغرب، ووصفوه بأنه “أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في تطوير الفكر التربوي”، من خلال الجمع بين البحث العلمي والممارسة المباشرة. لكن هذه التكريمات جاءت متأخرة، بعد رحيله. هذا يعكس مشكلة أعمق في المنظومة التعليمية المغربية: التركيز على الإصلاحات السطحية، دون الاهتمام بالخبراء الذين يدفعون ثمن التفاني. اللحية كان يعمل في ظروف صعبة، يركز على قضايا بيداغوجية محورية مثل بناء الكفايات والتقويم، وساهم بمقالات ومحاضرات دون أن يحصل على الدعم الكافي.
في هذا السياق، أرى أن تكريم اللحية يجب أن يكون أكثر من مجرد تعازي. يجب أن يكون دعوة لإعادة النظر في كيفية معاملة الخبراء التربويين في المغرب. هذا الرجل، الذي وُصف بـ”صاحب المطرقة وهو الاسم الذي اختار لقناته على اليوتيب” في إشارة إلى نقده الحاد للأخطاء التربوية، ترك إرثاً يجب أن يُدرس في الكليات التربوية. مقالاته عن السياسات التربوية، ومقترحاته حول إنهاء بعض الدورات التقليدية، كانت تستهدف بناء نظام تعليمي أكثر كفاءة. رحيله في صمت يذكرنا بأن المجتمع يفقد كثيراً عندما يهمل أبناءه المخلصين. التعليم قتل اللحية يعني أن المنظومة أهملته، كما أهملت الكثير من الخبراء، مما يؤدي إلى فقدان الطاقات الفكرية التي تحتاجها الأمة.
أخيراً، أود أن أختم بتكريم حقيقي لهذا الرجل: الحسن اللحية لم يمت، بل يعيش في إرثه الفكري. يجب على المنظومة التعليمية المغربية أن تتعلم منه، وأن تقدر أمثاله أثناء حياتهم، لا بعد رحيلهم. إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتقدير الجهود، ودعم الخبراء، لئلا “يقتل” التعليم المزيد من أبنائه. رحم الله الأستاذ الحسن اللحية ، وجعله في فسيح جناته، وألهم أهله وتلاميذه الصبر. إنه رجل أعطى الكثير، ورحل في صمت، تاركاً لنا درساً في الإخلاص والتفاني.




