هل يستطيع بنكيران جمع الكتلة التاريخية ؟

img

اعتقد الكثير من المغاربة -وبعض العرب- أن ما رافق الحملات الانتخابية من صخب إعلامي ووعود، وبيع للوهم في القرية والمدينة، قد انتهى بانتهاء اقتراع السابع من أكتوبر، وإعلان فوز الإسلاميين بولاية ثانية، بعد منافسة غير شريفة مع حزب الأصالة والمعاصرة، استعمل فيها كل شيء، ولم يبق إلا تشكيل الحكومة من طرف الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران ، إثر تكليف الملك محمد السادس له تنزيلًا للفصل 47 من دستور 2011.

إلا أن منطق التحالفات في المغرب يحتم إقناع أحزاب أخرى الانخراط في تكوين حكومة، لصعوبة حصول أي حزب على أغلبية مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395 مقعدًا؛ كان أكثر حماسًا وإثارة ومفاجآت للمتتبع في الداخل والخارج حتى من فوز العدالة والتنمية بـ 129 مقعدًا ليستحق هذا الحدث وصف القيامة، لا يوم الاقتراع كما قال الملك في أحد خطبه.

لهذا الغرض باشر ابن كيران اتصالاته مع مجموعة من الأحزاب التي تتقاطع معه مرجعيته (حزب الاستقلال) برئاسة حميد شباط، من جهة، والتي لا تتقاطع معه الأفكار ذاتها (حزب التقدم والاشتراكية) الحزب الشيوعي المغربي سابقًا بقيادة نبيل بن عبد الله، وحزب الاتحاد الاشتراكي بزعامة إدريس لشكر أحد أعرق الأحزاب الوطنية؛ الذي قال في حكومة ابن كيران ما لم يقله مالك في الخمر.

كل هاته التشكيلات الحزبية التي تجر خلفها تاريخًا مجيدًا -تعيش الآن واقعًا مؤلمًا بحكم فشلها الذريع، بعد تجربة مشاركة المؤسسة الملكية في حكم «الرعية» سابقًا- تخندقت بعد الربيع العربي ضد الإسلاميين، واستعملت ضدهم مفاهيم تراثية من قبيل القوى الظلامية، وأعداء الديمقراطية؛ لأنها كانت تعتقد أن سنوات حكم ابن كيران لن تتكرر أبدًا، ومصلحة الوطن تستدعي هكذا مواقف.

مصلحة الوطن؟ عن أي مصلحة يتحدث ساستنا؟ وهل المصالح العليا تتقادم بنصف عقد؟ نتذكر جميعًا حين خرج حميد شباط من الحكومة مربكًا عملها، ومتهمًا رئيسها بنعوت أدناها اتخاذ قرارات لا شعبية كالزيادة في المواد الأساسية، وأقصاها الانتماء لداعشّ؟ بل بنصف أسبوع فقط قبل الانتخابات البرلمانية وقتها صرح لشكر أن المغرب مقبل على السيناريو السوري إن فاز العدالة والتنمية؟ فما الذي تغير معالي الكاتب الأول والسيد الأمين العام؟

مطية جديدة هي «مصلحة الوطن» لن تنطلي على أي مواطن؛ لكن هناك أسباب حقيقية جعلت هذه الزعامات تتخذ هذه القرارات غير المنسجمة مع خطابهم ومرجعيتهم يمكن بسطها كالتالي:

  1. إن هذه الأحزاب أفلست تمامًا سياسيًّا، وأفق انتظارها محدود للغاية ويبشر بواقع أكثر ترديًا مستقبلًا.
  2. هذه المقاولات السياسية العائلية التي تسترزق بالسياسة ومن السياسة لم ولن تتحمل وتستسيغ عشر سنوات كاملة في المعارضة، وبالتالي فالعلاج بالكي أصبح ضرورة ملحة.
  3. إن هذه «المؤسسات السياسية» أمام حزب إسلامي غير تقليدي، رغم كل ما قيل ويقال عن علاقته بالإخوان المسلمين -التي سارت سبة- ويبقى من الناحية التنظيمية محكمًا نوعًا ما، ولا يسوده العبث في اتخاذ القرارات، وله قواعد وفية ثابتة ومسؤولة لا تباع ولا تشترى.
  4. ظاهرة «ابن كيران» الخطابية، لا تجد مشاكل في إقناع طبقات معينة من المجتمع بالتصويت لصالحه، دائمة الولاء حتى وإن اتخذ قرارات لا شعبية، كما حدث في قطاعات عدة خلال الولاية السابقة، فما بالنا إن هو قام بإصلاحات حقيقة خلال هذه الولاية الحكومية المقبلة، وفي ظرفية إقليمية حساسة ودولية خاصة.

لا يخامرنا شك في أن حزب الاستقلال سيلتحق بحكومة ابن كيران، وأن الاتحاد الاشتراكي سيكون حيث كان الاستقلال، ونبيل بن عبد الله أعطى وعدًا لرئيس الحكومة مسبقًا، فهل سننتقل من الحديث عن ثنائية حزبية رخيصة بين حزبي الأصالة والمعاصرة والعدالة والتنمية إلى ثنائية قطبية مريضة بين (الأحزاب الوطنية) و(الأحزاب المخزنية).

لكن، هل تحاملنا بوعي أو غير وعي على أحزاب تعتبر امتدادًا للحركة الوطنية قدمت شهداء كثيرين، وساهمت في صناعة المغرب الجديد الذي بفضل تضحياتها الجسام نعيش اليوم هامشًا من الديمقراطية عز نظيره في المنطقة العربية؟ ألن تتحالف فقط على برنامج سياسي توافقي على أن يبقى الحداثي حداثيًّا والمحافظ محافظًا؟ أليس هذا المشهد السياسي المغربي الآخذ في التشكل، والذي يرى فيه العديد وقاحة سياسية هو ذاته «الكتلة التاريخية» الحلم الذي تحدث عنه المفكر المغربي محمد عابد الجابري، والذي انتظره الشعب المغربي لسنوات طويلة، طمعًا في تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية بعيدًا عن التجاذبات الأيديولوجية الضيقة التي عفى عنها الزمن بلا رجعة؟

طرح د. محمد عابد الجابري مفهوم الكتلة التاريخية أول مرة في حوار نشره بمجلة المستقبل العربي (عدد نوفمبر 1982)، إجابة منه على سؤال الطبقات في المجتمع العربي؛ ومن منهما يقود النضال من أجل التغيير مجيبًا جوابًا له من الأهمية والراهنية ما يجعل الاطلاع عليه فرض عين بالنسبة لكل فاعل سياسي أدركته التجاذبات التي يعيشها المغرب خاصة، والعالم العربي عامة من احتدام للصراح السياسي والنفس الإقصائي.
يقول الجابري: «إن ما يحتاج إليه النضال العربي في المرحلة الراهنة هو في نظري شيء أقرب إلى ما سماه غرامشي بـ(الكتلة التاريخية). كان هذا المفكر الإيطالي والمناضل السياسي اليساري (1891-1937) يفكر في طريق للتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي يناسب معطيات المجتمع الإيطالي في زمنه. وكان المشكل الذي يعترض الإصلاح آنذاك في هذا البلد، هو ذلك التفاوت الكبير بين شمال إيطاليا، الذي كان قد بلغ درجة متقدمة على مستوى التصنيع والتحديث، وبين جنوبها الذي كان يحمل سمات المجتمع المتخلف الخاضع لسلطة الكنيسة. ومن أجل الحفاظ على وحدة الأمة الإيطالية والقيام بنهضة شاملة اقترح فكرة الكتلة التاريخية، وهي تضم إلى جانب قوى التغيير والإصلاح في الشمال، من ماركسيين وشيوعيين وليبراليين، القوى المهيمنة في الجنوب بما فيها الكنيسة».

نعتقد أن حجم التمزق الذي نعيشه الآن في البلاد العربية التي تعيش ربيعها/ خريفها بشكل أو بآخر في حاجة لاستحضار السياق التاريخي الإيطالي الذي تحدث عنه غرامشي، وفهمه واستيعابه وتكيفه مع واقعنا السياسي؛ لكن كيف؟

يجيب الجابري: «كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلق أولًا بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية، السياسية والاقتصادية والفكرية، وتتعلق ثانـيًا بإقامة علاقات اجتماعية متوازنة يحكمها، إلى درجة كبيرة، التوزيع العادل للثروة في إطار مجهود متواصل للإنتاج. وبما أن مشكلة التنمية مرتبطة في الوطن العربي بقضية الوحدة، فإن هذه الكتلة التاريخية يجب أن تأخذ بعدًا قوميًّا في جميع تنظيراتها وبرامجها ونضالاتها».

على كل حال نتمنى من هذا التحالف الحكومي الذي أصبحت معالمه شبه واضحة، أن يقطع مع الممارسات اللاأخلاقية والمسلكيات الريعية، السبب المباشر في العزوف الانتخابي الذي جعل نسبة المشاركة في الانتخابات لم تتجاوز 45% حسب وزارة الداخلية، وأن تعي جوهر «الكتلة التاريخية» وغاياتها الاجتماعية والاقتصادية والجيوإستراتيجية، لا أن تعتبرها محاصصة، وآلية لتوزيع الغنائم، فعنوان المرحلة المقبلة هو الخطأ ممنوع، أو المستقبل المجهول.

المقال ل رشيد العزوي بتصرف 

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة