هل تعرف الفرق بين الجنس و العلاقة الجنسية ؟

img
قد يبدو للوهلة الأولى أن الجنس و العلاقة الجنسية شيء واحد، لكن الأمر في الحقيقة غير ذلك، وربما عكس ذلك.
مهم جداً أن نعلم أن الجنس شيء، والعلاقة الجنسية شيء آخر تماما، رغم ما نحسبه من تشابه أو تطابق بينهما.الجنس هو فعل جسدي ميكانيكي في معظمه، لا يلزم أن يرتبط بأي مشاعر أو التزامات نفسية أو معنوية بين الطرفين، ففي بعض الثقافات، يمكن لشخص أن يمارس الجنس مع فتاة لا يعلم حتى اسمها، أو تمارس فتاة الجنس مع شخص قد لا تراه مرة أخرى، أو تتم ممارسة الجنس بمقابل مادي، وقد يحدث الجنس تحت الضغط أو الإكراه أو بالقوة أو الاغتصاب، كل هذا اسمه (جنس)، فقط (جنس).

أما (العلاقة الجنسية)، فهي علاقة بكل تفاصيل ومعاني الكلمة، علاقة بها مشاعر، وأفكار، والتزامات أخلاقية ونفسية وجسدية، وقبلها طبعاً – في مجتمعنا وثقافتنا – التزامات دينية، والجنس فيها يمثل (جزءًا) من العلاقة، وليس (كل) العلاقة، الجنس هنا آداة للقرب والتواصل والتعبير، وليس هدفاً أو غاية في حد ذاته.

وبالرغم من التشابه الظاهر بين الجنس و العلاقة الجنسية ، إلا أنهما يختلفان تماماً في التفاصيل والمحتوى.

(العلاقة الجنسية) من أدق وأخطر وأعمق العلاقات الإنسانية، فقد تكون إحدى وسائل وطرق السعادة الحياتية بين الطرفين، وقد تكون أحد أسباب التعاسة والبغض والكراهية، وأحياناً الانفصال بينهما، يمكن أن ترتفع بهما وبروحيهما إلى عنان السماء، ويمكن أن تهبط بهما وبجسديهما إلى ما تحت الأرض، وهي إما جزء من رحلة جسدية وروحية للجنة، أو مجموعة خطوات منزلقة متسارعة نحو الجحيم.

ولا يمكن أن يطلق على الممارسة الجنسية أنها (علاقة)، دون أن يحترم كلا طرفيها احتياجات الطرف الآخر، وأن يهتم كل من طرفيها بتلبية احتياجاته واحتياجات شريك حياته على حد سواء، لا أن يستخدم أحدهما الآخر لعدة دقائق، بشكل أناني ذاتوي، دون أدنى مراعاة أو انتباه أو اهتمام للطرف الثاني، ثم يلتفت جانباً، ويغوص داخل نفسه.

مهم جداً أيضاً أن يحترم الطرفان جسد كل منهما، ويتعامل معه معاملة آدمية راقية، لا أن يعتبر أحدهما جسد الآخر مكاناً متاحاً لتفريغ رغبة سريعة، أو غريزة ملحة، وفقط.

كما أنه من غير المقبول أن يعتبر أحد طرفي العلاقة جسد الطرف الآخر ملكاً له دون صاحبه الأصلي/صاحبته الأصلية، يفعل به ما يشاء وقتما يشاء كيفما يشاء، دون استعداد وموافقة ورضا الطرف الآخر.

من الضرورى كذلك أن يتحمل كل من الطرفين المسؤولية الإنسانية والأخلاقية عن علاقتهما الجنسية، وأن تكون علاقتهما جزءًا من علاقة حياتية أسمى وأكبر بينهما (الزواج)، وليست شيئاً عابراً لا يعقبه أو يسبقه أي شكل وأي درجة من المسؤولية الحقيقية.

في (العلاقة الجنسية)، لا يكون (الجنس) هو الأولوية، وإنما تكون الأولوية للعلاقة نفسها، الجنس هنا مثل اللغة، يقوم بتوصيل معاني القرب والمودة والرحمة بأشكال وأدوات مختلفة، لكنه ليس أبداً المضمون ولا المحتوى، وإلا يتم تفريغ العلاقة من حقيقتها، واختزالها في فعل حركي متكرر ممل، وبكل أسف، هذا هو الواقع في معظم الأحيان.

ففي كثير من مجتمعاتنا، تم اختزال كل ما هو (علاقة جنسية) إلى (جنس)، ولم يحدث تشويه أو تضليل أو سوء فهم أو سوء تعامل مع أي موضوع حياتي يومي كما حدث مع هذا الموضوع، ولم توجد إلى الآن أي وسيلة طبيعية عادية مقبولة لتعليم وتنوير وتوعية العامة فيما يخصه سوى بعض الاجتهادات الفردية من خلال مواقع إنترنت أو محاضرات أو ورش عمل، ونتيجة ذلك واضحة جداً.

يوجد لدينا هوس شديد (بالجنس) على حساب (العلاقة الجنسية)، ونهم غريب (لجنسنة) أي شيء، وأي فعل، وأي أحد، لدرجة أننا أصبحنا ننظر للمرأة مثلاً على أنها (كائن جنسي)، ونعتبر جسدها (آداة مثيرة جنسية)، ونتعامل معها على أنها (موضوع جنسي)، وأصبح أحد أهم أهداف الارتباط بها أو الزواج منها (هدفاً جنسياً).

وعلى الجانب الآخر، يرى الكثير من الرجال أن رجولتهم مستمدة من آدائهم الجنسي، وأن ذلك وحده هو مقياس أهميتهم ونجاحهم وربما وجودهم بكامله، وقد يكون ذلك أحد تفسيرات الاستخدام المفرط للمنشطات الجنسية في مجتمعاتنا، والبحث المتواتر عن كلمة (جنس) بمشتقاتها على محركات البحث الشهيرة، ولن أتحدث عن اقتصار واختزال مفهوم (الشرف) إلى الجانب الجنسي منه فقط، والتجاهل التام لباقي جوانبه الكثيرة والمتعددة.

اختزال (العلاقة الجنسية) إلى (جنس) هو جزء لا يتجزأ من اختزال الكثير من المعاني والمفاهيم إلى صورتها البدائية الأولى.

وتبقى حقيقة أن (العلاقة الجنسية) أسمى وأشمل وأبقى بكثير من مجرد (الجنس)، وهي علاقة إنسانية لها مواصفات ومراحل ودرجات وتفاصيل ومستويات، وليست مجرد لقاء عابر بين اثنين، أو خيال مراهق يتحقق على أرض الواقع، أو حبة زرقاء تؤدي لبعض المتعة.
المفتاح في (العلاقة الجنسية).. هو (العلاقة).. ومعناها.. وتفاصيلها.
وليس الفعل.. وبدايته.. ونهايته.

الجنس وحده ليس علاقة.. الجنس فقط لغة.. وآداة لتوصيل المعنى بين طرفين بينهما مودة ورحمة.

الكاتب د. محمد طه

د. محمد طه

استشارى ومدرس الطب النفسى عضو الجمعية العالمية والجمعية الأمريكية للعلاج النفسى الجماعي

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “هل تعرف الفرق بين الجنس و العلاقة الجنسية ؟”

  1. التعقيبات: سيدي المختار نيوز | إدمان الإباحيات بين التوبة والعلاج النفسي

التعليقات مغلقة