هل القلم مجرد حبر على ورق ؟

img

القلم, تلك الأداة التي نستخدمها لنكتب بأيدينا ما تمليه علينا عقولنا, أحيانًا يكون شيء له أفكار مسبقة، وكثيرًا ما نكتب به ما لم نعد له بالًا.

القلم, ذلك السلاح المميت هو «القاتل الصامت» في أي مجتمع نعلم أن  أدوات القتال العادية هي الرصاص, والدبابات, والمدافع تلك هي أدوات القتل المباشرة للنفس البشرية التي نشاهدها كل يوم على شاشات الفضائيات، إلا أن موخرًا أصبح القلم أكثر خطورة من تلك الأدوات، خصوصًا أنه من الممكن أن يتحول لأداة لقتل صاحبه!

عن طريق القلم يمكنك إحياء أمة أو قتلها, يمكنك زرع الوعي أو تدمير العقول لكل شيء في الكون رسالة يمكنك استخدامه في الجانب الإيجابي للدفاع عن المظلومين وتنوير العقول, أو السلبي، وهو تشويه الصور أو تلميعها، حتى إذا لم يكن يستحق أصحابها ثمن الحبر الذي يهدر.

وهناك أنواع من الأقلام جاف أو رصاص، والألوان متعددة تتناسب مع كل اتجاه, إذا كنت كاتبًا في معركة، فيناسبك اللون الأحمر، وإن كنت مبدعًا، فعليك بالأزرق، أما إن كنت من أصحاب التغيير في الآراء لتتناسب مع كل عصر وزمان، فلا يناسبك غير القلم الرصاص؛ حتى تتمكن من مسحه بسهولة، ودون أي عناء، وحتى لا تقع عرضه لشباب «فيسبوك» الذين سيقارنون بين آرائك في العصرين هناك أقلام يملؤها الدماء بديلًا عن الحبر، وأقلام يملؤها رحيق الحب والسلام. القلم يتهم أحيانًا بالخيانة والعمالة، وأحيانًا بالولاء والانتماء، وكأن الانتماء أصبح عيبًا في عالم أصبح الفرد يتهرب فيه، ليس من بلاده، ولكن أيضًا من ذاته!

ربما تغلق صحفًا, ومسارح, وقد تمنع أفلام؛ لأن كاتبها ذو نظرة سياسية تتعارض مع النظام, أو بطلها لديه رأي سياسي يأخذ في الاعتبار, وقد تطمس دولة تاريخه كاملًا، حتى لا يتذكر أحد قسوتها. تظن أنك تكتب، وفى الواقع لم تتعد كلماتك مجرد حبر على ورق.

ويتميز القلم بأسلوبه في التنوع، فليس دائمًا يعبر عن نفسه في صورة كلمات, من الممكن تجسيد أفكاره عن طريق رسومات، مثل ما قام به «بانكسى» رسام الجرافيك البريطانى، وأشهر رسوماته على الجدار الفاصل الذي أنشأته إسرائيل، وصوره أخرى في الضفة لفتاة صغيرة تقوم بتفتيش جندي إسرائيلي، ويعرف بفكره الحر النابع من ضميره، وأشهر رسوماته التي أثارت جدلًا صورة الموناليزا، وهى تحمل قنبلة، وفى عام 2007 اختير كأفضل فنان في بريطانيا، ولكنه لم يحضر لاستلام الجائزة؛ لأنه يفضل عدم معرفه هويته تجنبًا لمطاردة الشرطة أو ربما خوفًا من تعرضه للاغتيال.

ولا تقل الرسومات أهمية عن الكلمات عن طريقها يمكن أن يتغير الحال مثل ما حدث في مدينة «يكاترينبرج» الروسية كانت الطرق بها تعرضت للإهمال، ولم يستطيع السكان العبور بسلام حتى قرر مجموعة من الشبان، رسم صور أكبر مسؤولين في المدينة على المطبات هنا تحركت الحكومة على الفور، وتم إصلاح الطريق بعد معاناة أكثر من 3 شهور.

هناك كتاب تعرضت حياتهم للخطر؛ بسبب ما يملى عليهم قلمهم، مثل «نجيب محفوظ»، الذي تعرض للطعن في كتفه الأيمن بعد رواية «أولاد حارتنا»، اتهمه البعض بالتعرض للذات الإلهية، ومنعت الرواية من النشر في مصر، وبسبب تلك الطعنة أثرت على أعصاب زراعه الأيمن؛ مما أدى إلى عدم تمكنه من الكتابة، وعمل تمارين يوميًا لإنعاش يده، سواء اتفقنا، أم اختلفنا مع الكاتب، ولكن ليس هكذا تمنع الأقلام فقد يموت الكاتب، ويظل قلمه متنقلًا بين الأجيال.

وقد يختار القلم كاتبًا ليسير في خط النضال وتحرير وطنه من الاحتلال كما حدث مع «غسان كنغاني» ذلك الأديب الفلسطيني البارز الذي كان يصور معاناة الشعب بقلمه، ولم يتحمل الاحتلال صعود نجمه في سماء الأدب فكانت كتابته تسبب لهم العناء، خصوصًا وقد ابتدا اسمه يلمع قليلًا في الغرب، وادخل السجن أكثر من مرة، ونشر دراسة عن «الأدب الصهيوني» وأشهر مقولاته «أن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضيه الباقيين» وفى يوم 8 يوليو (تموز) 1972 قتل في بيروت مع ابنه أخته في انفجار سيارة مفخخة، وكانت العملية بقياده عملاء لإسرائيل.

«لوركا» شاعر أسبانيا أحد أهم أدباء أسبانيا، إن لم يكن القرن العشرين, كان يفضل أن يصل شعره إلى عامة الناس، وليس إلى الحكام فقط، كما فعل معظم شعراء جيله. كان منشغلًا بهموم مجتمعه، ومن أشهر مقولاته «فى هذا الزمن المأساوي في العالم، يجب على الفنان أن يضحك ويبكي جمهوره، ويجب أن يترك الزئبق الأبيض مغمورًا، حتى وسطه بالوحل، وذلك لمساندة الذين يبحثون عنه»، أعدم رميًا بالرصاص أثناء الحرب الأهلية على يد الإنقلابيين بقيادة الجنرال «فرانكو»؛ لكونه يدعم الاشتراكيين، وتم اتهامه بالمثلية الجنسية. ولم يعثر على جثته حتى الآن, وقد تنبأ بوفاته قائلًا «وعرفت أنني قتلت, وبحثوا عن جثتي في المقاهي, والمدافن, والكنائس فتحوا البراميل والخزائن، وسرقوا ثلاث جثث، ونزعوا أسنانها الذهبية، ولكنهم لم يجدوني».

القلم هو مجرد قلم، إذا تركته لدورته في الحياة سيجف حين ينتهي دوره. وعلى صاحب القلم أن يعرف متى يهاجم، ومتى يكون في صفوف الحاشدين. وعلى صاحب القلم أن يتذكر أنه الوحيد الذي لا يرأسه رئيس، ولا يحال إلى إيقاف، وكلما مر به الزمن ازداد نورًا، يكفى أنه صاحب أول أداة ذكرت في القرآن. ويبقى السؤال دائمًا: لماذا تقصف الأقلام مع أنها في رأى الحكام مجرد حبر على ورق!

الكاتب صابرين محمد

صابرين محمد

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة