ماذا تفعل أيونات الكالسيوم بقلبك ؟

img

“نعم، إنه الكالسيوم ، هذا كل شيء” جملة قالها العالم والطبيب الألماني أوتو لوڤ الحائز على جائزة نوبل في الفسيولوجي أو الطب لعام 1936، وذلك في إشارة منه إلى أهمية أيونات الكالسيوم في الكثير من العمليات الحيوية للكائنات الحية، بدءاً من الكائنات وحيدة الخلية (كالبكتيريا) وصولاً إلى الإنسان.

في مملكة الحيوان على سبيل المثال، يلعب الكالسيوم أدواراً متعددة وحيوية في نفس الوقت. من المساعدة في عملية إخصاب البويضة بالحيوان المنوي، إلى إفراز هرمون الأنسولين والتوصيل الكهروكيميائي بين الخلايا العصبية، والتعبير الجيني (العملية التي يتم فيها ترجمة الشفرات الجينية إلى بروتينات)، نهاية بدوره الرئيس في المساعدة في انقباض عضلات الجسم والقلب.

 كيف بدأت قصة الكالسيوم والقلب؟في نهايات القرن التاسع عشر، وبالتحديد في الأعوام من 1880-1883 كان العالم والطبيب الإنكليزي  (Sydney Ringer) يقوم بإجراء سلسلة من التجارب حول تأثير مكونات الدم على معدل انقباض القلب.

بدأ Ringer تجاربه بمحلول يحتوي على أيونات الصوديوم والكلوريد بنسبة 75%. كان الماء الذي استخدمه Ringer في البداية مقطراً، أي أنه لا يحتوي على أية أيونات إلا ما أضافه هو أثناء تحضير المحلول. لاحظ رينجر أن القلب ينبض لفترة قصيرة ثم ما يلبث أن يتوقف عن العمل. كرر التجربة أكثر من مرة وحصل على نفس النتائج. يقول بعض المؤرخين إن مساعد رينجر كان في عطلة في فترة إجراء تلك التجارب وعندما عاد، طلب منه رينجر أن يقوم بتحضير المحلول. وجد هذا المساعد أن المعمل لم يعد به ماء مقطر، فقرر أن يستخدم مياه الصنبور، والتي كانت تحتوي على أيونات الكالسيوم (لم يكن المساعد يدرك ذلك في ذلك الوقت).

بدأ رينجر في سلسلة تجارب جديدة وفوجئ لأول مرة بأن القلب ينبض لساعات وبقوة أكبر مما رأها سابقاً. تعجب رينجر وسأل مساعده عن كيفية إعداده المحلول، فذكر له مساعده أنه أعده كما هو متفق عليه إلا أنه استخدم ماء الصنبور بدلاً من الماء المقطر! قام رينجر بعمل تحليل كيميائي للمياه ووجد أن فيها نسبة كبيرة من الكالسيوم. استمر رينجر في تجاربه حتى تأكد من أنه يجب وجود الكالسيوم والصوديوم معاً بنِسَب معينه حتى يستطيع القلب أن ينبض، وأن الكالسيوم هو اللاعب الرئيس في عملية انقباض عضلات القلب.
 إذاً كيف يؤثر الكالسيوم في عضلة القلب؟

يبلغ تركيز أيونات الكالسيوم في داخل الخلية العضلية نحو 100 نانومولار (نحو 0.004 مللي غرام/لتر) وهو تركيز منخفض جداً، في حين يبلغ 2 مللي مولار (نحو 85 مللي غرام/لتر) خارج الخلية (نحو 20000 ضعف التركيز في داخل الخلية). السبب في ذلك أن دخول أيونات الكالسيوم إلى داخل الخلية يجب أن يكون بحسب الحاجة إليه، وذلك لأنه يؤثر في أكثر من عملية حيوية داخل الخلية.

تدخل أيونات الكالسيوم إلى داخل القلب عن طريق قنوات الكالسيوم الفولتية بشكل رئيسي. وفي حالة القلب تمثل أيونات الكالسيوم أهمية قصوى، وذلك لأن نبضة القلب الجهدية (Cardiac action potential) تعتمد في الأساس على أيونات الكالسيوم.

 نبضة القلب الجهدية Cardiac action potential

تتميز نبضة القلب الجهدية (Cardiac action potential) بأنها طويلة جداً (حوالي 200 مللي ثانية) مقارنة بالنبضة الجهدية العادية (Action potential)، والتي لا تستغرق أكثر من 1-2 مللي ثانية. السبب الرئيس في ذلك هو أيونات الكالسيوم. في بداية نبضة القلب الجهدية تُثار قنوات الصوديوم الفولتية مما يسمح بدخول كمية كبيرة من أيونات الصوديوم إلى داخل خلايا القلب العضلية. دخول أيونات الصوديوم (موجبة الشحنة) إلى داخل الخلايا يقلب استقطاب غشاء الخلايا العضلية من حوالي -95 مللي فولت إلى +50 مللي فولت. يعمل ذلك على إثارة قنوات الكالسيوم الفولتية، والتي تفتح بدورها لتتدفق أيونات الكالسيوم إلى داخل الخلايا القلبية العضلية ليحفزها على الانقباض فتنقبض لتبعث بالدم إلى جميع أجزاء الجسم. تتدفق أيونات الكالسيوم لفترة 150 مللي ثانية، تبدأ بعدها قنوات الكالسيوم في الدخول في ما يسمى بعملية “فقدان الفاعلية” أو Inactivation، وهو ما يعني توقفها عن العمل على الرغم من استمرار وجود المؤثر. يرجع ذلك إلى تفاعل أيونات الكالسيوم الداخلة إلى الخلية مع بعض أجزاء قنوات الكالسيوم. هذا التفاعل يؤدي إلى إغلاق الممر المائي الذي تمر به الأيونات.
تنتهي فترة “فقدان الفاعلية” عندما يعود الاستقطاب لغشاء الخلية العضلية، وذلك بفتح قنوات البوتاسيوم، فتمر أيونات البوتاسيوم (الموجبة) من داخل إلى خارج الخلية، فينقص تركيز الأيونات الموجبة داخل الخلية فيعود الاستقطاب حول الغشاء الخلوي للخلايا إلى حالته الطبيعية (حوالي -95 مللي فولت).
 كيف نحافظ على التركيز الأمثل للكالسيوم في الدم؟

يتم تنظيم أيونات الكالسيوم  في الدم عن طريق الغدة الدرقية (Thyroid gland) والجاردرقية (Parathyroid gland)، فمن ناحية يعمل هرمون الكالسيتونين Calcitonin، والذي تفرزه الغدة الدرقية، على خفض (تركيز الكالسيوم) في الدم عند حدوث زيادة في تركيزه، بينما يعمل هرمون PTH، والذي تفرزه الغدة الجاردرقية، على زيادة تركيز الكالسيوم في الدم، وذلك بتحفيز العظام على إنتاجه.

يشترك فيتامين (د) أيضاً في عملية تنظيم تركيز الكالسيوم في الدم، وذلك بتسهيل امتصاصه في الأمعاء، مما ينتج زيادة تركيز الكالسيوم في الدم. وبالتالي علينا الحرص على التعرض لأشعة الشمس لفترات تسمح بتكوين فيتامين (د)، وأيضاً يجب علينا تناول الأطعمة الغنية بالكالسيوم كاللبن والبيض والزبادي (وهي أيضاً غنية بفيتامين د) حتى نحافظ على تركيز أيونات الكالسيوم في معدلاتها الطبيعية، وبالتالي قلب ينبض بانتظام.

مقال ل د. تامر جمال الدين

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة