ماذا لو إنقرضت الألوان من الوجود ؟

img

ماذا لو إنقرضت الألوان من الوجود ؟

بعد فجيعتي بخبر نفاد مخزون الأرض من الشوكولاتة بنهاية العام 2020 كما ذكرت بعض وسائل الإعلام، تساءلت عن الأمور الأخرى التي قد تصبح كارثة فيما لو كانت معرّضة للنفاد، يبدو تفكيرا تافهًا، أعرف ذلك. فقد كنت أصف هذه المخاوف من قبل بأنها مخاوف البلداء.

لكن بعد أن تمضي زهرة أيامك وبداية مشيبك تحمل مخاوفك الدينية والقومية والشخصية على كتفيك، يصبح من حقك حينئذ أن تتبنى مخاوف وردية على سبيل الاستشفاء.

راق لي التفكير بالهموم الوردية، وقد نبت سؤالي الوردي الأول بسرعة.

كان سؤالًا عن ماهية الشيءالآخر الذي يحمل رسالة الشوكولاتة، الشيء الذي يمكن قبوله كترجمة معنوية للشوكولاتة؟

بالطبع إنها الألوان !

ماذا لو كانت الألوان موجودة برصيد محدد في الكرة الأرضية؟ ماذا لو استيقظنا ذات يوم لنكتشف بأن اللون الأزرق مثلًا قد اختفى من الأرض؟

لا أعرف ما الذي سيحزنكم بفقدان اللون الأزرق، لكنني قطعًا لن أحزن على أصحاب العيون الزرقاء حين تنطفئ الزرقة بأعينهم، لقد احتفت البشرية بأعينهم بالقدر الذي يجعل التعاطف مع خسارتهم أمرًا يستدعي بعض التكلف، وأنا  قد عاهدت نفسي على ترك التكلف على سبيل البر بأعصابي، لذا  فقد اكتفيت بحجب التعاطف، وحسبي من إثبات اللطف عدم التشفى بخسارتهم!

المفارقة كانت بالسؤال الثاني، والذي لم يكن ورديًا على الإطلاق؛ مما يعني بأن محاولة الاستشفاء هذه ستسير بشكل متعثر.

كان سؤالًا منطقيًا عن أي الألوان الذي سيشكل اختفاؤه من الأرض معضلة؟

لا بد وأن يطوف بمخيلتك لون ما، لا تريد أن تفقد مشاهدته؛ لأسباب قد تعرفها أو تجهلها.  وبالرغم من المحاولات المضنية التي يقاتل بها علم  النفس لربط الألوان بدلالات نفسية أو أخلاقية أحيانًا، إلا أنه لم يقدم بعد تفسيرًا كيف للأبيض أن يكون رمزًا للعروس والكفن بذات الوقت!

وبعيدًا عن فرويد وإرثه العظيم، ولو قام السيد فرويد من مرقده ليثبت لي بأن الأحمر رمز للغواية، سأقدم له فنجان قهوة، وأستمع له بهدوء ثم سأخبره أن يسارع بطلب التاكسي ويغادر لأن موعد نومي قد اقترب، إذ تكفيني جارتنا الباكستانية «أم عبد الله» عناء الجدل مع السيد فرويد ورفاقه؛ فمنذ عرفتها وهي الحافظة لدينها وصلاتها الأشد حياء من العذراء في خدرها، ولو كان الأمر بيدها لأوصت أن يكون كفنها أحمر؛ لشدة ولعها باللون الأحمر. ومهما تلوّت الراقصات وانثنت الجواري بالأحمر فلن ينتزعن من ابتسامة أم عبد الله طهارتها وهي مجللة بالأحمر حد الخضاب.

فيما يبدو بأن الألوان قد تصنع الكثير من الأزمات بمحاذاة الجمال الذي يمنحه وجودها، وفيما يخص البشر، فقد كان اللون ومازال معضلة الإنسانية الأكبر، والمعيار الأكثر دقة وصدقًا لقياس العدالة بضمير أي إنسان.

إنّ الألوان من حيث كونها  ألوانًا، سواء كانت  أسود أو أبيض، فهي بالنهاية ألوان، حين تقارن بينها العدالة، تخضعها للاختلاف لا الترتيب.  لكن الإنسان ذا العدالة العوراء يخضعها للترتيب؛ ليرفع من يشاء ويخفض من يشاء، مسترشدا بقيمِهِ المعطوبة منساقًا خلف روحه السقيمة التي اعتادت التنفس بالعتمة.

لكن الإنسان السوي،  الإنسان الذي يمتلك قيمًا عظيمة تشكل أرضًا صلبة يقف عليها ليتأمل كل المشاهد والبشر، بالألوان أو بدونها، لن يحتاج لوقت طويل ليدرك بأنه يمكن الاستغناء عن الألوان كلها، ماعدا الأسود والأبيض.

كل ماعداها من الألوان مكملات لونية، لا يشكل غيابها عن المشهد تغييرًا جذريا فيه، لا يؤثر بحقيقة المشهد.

لا أحد يستطيع أن ينتزع من الحديقة أزهارها وإن انتزع ألوانها ، ستظلُ حديقة لمن يعرف تفاصيل الحدائق.

وغياب الأسود لا يقل خسارة عن غياب الأبيض؛ إذ لا معنى أساسًا لوجود أحدهما إلا بالآخر، ولا يكتسب أحدهما قيمة إلا من خلال الآخر.

لكننا إن أردنا التدقيق باجابة السؤال الثاني، يمكننا العبث بمفاصلها، لأن الأسود والأبيض ليسا لونين مختلفين، فهما في واقع الأمر لون واحد  لا يمكنك الجزم بشأنه دون تدخّل من الضوء، النور بشكل أكثر دقة.

لو امتلكت مايكفي من النور بعقلك، ستفهم هذه الحقيقة البسيطة، بأن الأسود والأبيض لايخضعان للتراتيبية، بل يحتكمان للاختلاف. مكملان لايمكنك منح أحدهما قيمة بناء على الآخر، تمنح كل منهما قيمة متكئًاعلى العتمة أو النور بداخلك.

فيما يخص الهموم ، أظن والله أعلم بأن غياب الألوان لا يبدومسألة كارثية. فالأسود والأبيض قادران وحدهما على سرد الجزء الهام من أية حقيقة، وبينهما من الرمادي ما يكفي لتنتقي العيون من الظِلال ما يناسبها من حقيقة المشهد، ستسبح أعين بفضاءات بيضاء، وستتكئ أعين تحت ظلال الرمادي، وستتكور أعين أخرى وحدها  تتنفس العتمة.

وفيما يخص الألوان، إن كان الأبيض والأسود وحدهما كافيان لهذا القدر للقيام بعملية فرز أخلاقية للبشر، فما حاجتنا إلى الألوان؟!

 

مقال ل هيفاء سليمان

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة