لماذا لا ينجح الإحتجاج في سيدي المختار و بالمجمل؟

img

تعاني سيدي المختار من مشاكل بالجملة أولها الصحة وتليها قائمة طويلة من المعضلات التي تنخر في جسدها الوهن, لكن محاولة شبابها لحشد الساكنة للمطالبة بحقوقهم تبوء في الغالب بالفشل ,ليتسائل الشباب متى يثور هؤلاء ؟ الإجابة عند جورج أورويل.

يقول الكاتب الصحفي والروائي البريطاني جورج أورويل في روايته المشهورة «1984» متحدثا عن عوام الناس:

«لن يثوروا حتى يعوا، ولن يعوا إلا بعد أن يثوروا».

تلك المعضلة التي يقف أمامها أبناء الطليعة الواعية اليوم حائرين من كيفية مواجهة الفساد والاستبداد المتفشي في أرجاء البلاد، والذي لا يلقى الصدى المرجو منه عند عوام الناس، ويتعجب الكثيرون من سكوتهم على الظلم القائم وتردي الأحوال المعيشية، لكن أورويل يطلعنا في هذه الرواية على حقيقة واضحة للعيان، وهي أن الجهل هو من فعل ذلك.

تلك الآفة التي تفتك بالمجتمعات والأمم، لتقف وترى كيف يتم مسخ هوية الشعوب وسلب إرادتها، دون أن تحرك ساكنا، ليبقى الاستبداد قائما ما دام الجهل متفشيا فيها.

ورغم كل ذلك إلا أن الحاكم المستبد أضعف من أن يفعل ذلك بمفرده، فيسيِّر له حاشية تعمل على مشروعه، تلعق حذاءه وتؤدي له فروض الولاء والطاعة على أن يكون ضمن هذه الحاشية مجموعة  «فقهاء الدين» وهي أهم قوة يرتكز عليها أي مستبد ليضمن بقاء حكمه واستقرار عرشه.

هؤلاء الفقهاء الذين يحفلون بالدين إذا وافق هواهم وأغراضهم -وهو أبعد ما يكون عن ذلك- ويبتعدون عنه إذا خالفهم، هذا الأفيون الذي يستخدمونه في إقناع العوام بوجوب طاعة الظالمين والحمد لهم إذا عدلوا، والصبر عليهم إذا ظلموا، وجعل الناس يتناسون لذة الاستقلال وعزة الحرية.

ويتجلى خوفهم في أن يعرف الناس حقيقة «لا إله إلا الله» وأنها حين تستعلي في قلوب أصحابها، فلن يعبدوا أحدا سواه ولن يخضعوا لبشر مثلهم.

وأخوف ما يخاف المستبد أن يعرف الناس معنى الحرية، وأن يستشعروا روح الكرامة!

يخاف فقط من أن يعرفوا، فيجعل كل همه أن يطمس نور العلم عن الناس، وأن يحصرهم في دائرة الجهل الدامس، بل ويحارب كل من يدعو للعلم إما بالاعتقال، أو التضييق، أو يجبره على الهجرة والابتعاد عن الوطن.

وكنتيجة لذلك يسلم العوام آذانهم للحكام المستبدين وحاشيتهم، إلى أن يصل المجتمع إلى حالة من المرض والفقر، تجعلهم لا يقدرون حتى على التفريق بين الخير والشر، وتجبرهم ضروريات حياتهم الغريزية على أن يرضوا بالظلم القائم، بل ويقتنعوا بمفاهيمه الفاسدة كما يوضح الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد» معقبا على ذلك:

«يصبح طالب الحق فاجرا وتارك حقه مطيعا والمشتكي مفسدا، وأما النفاق فهو سياسة، والتحايل ذكاء، والدناءة لطف».

وهنا تتجلى أعظم صور استبداد الجهل على العلم واستبداد النفس على العقل كما يقول الكواكبي:

أصبح العوام الآن هم جنود مجندة تخدم الحاكم وتحارب أي محاولة للتغيير، دون أن تعرف حتى السبب، أو تقف لتسأل نفسها ما الذي أوصلنا لهذا؟ فقد جعلها النظام جنودا بالسُخرة يطيعونه طاعةً عمياء. وعندما تسألهم سيُقال لك «الأوامر كده».

 نظرية القرود والموز

أجريت تجربة على مجموعة من القرود الذين وضعوا في قفص، عُلق في منتصف القفص حزمة موز، وبعد مرور فترة قصيرة صعد أحد القرود ليأخذ الموز فإذا برشاش من المياه الباردة ينهال على باقي القرود، وبعد مرور فترة صعد قرد آخر فانهال الماء مرة أخرى على باقي القرود، ثم تكرر هذا الموقف عدة مرات، فحدث ربط عند القرود بين صعودهم لأخذ الموز وبين رش المياه عليهم.

بعد ذلك تم سحب قرد من الذين حضروا تجربة الماء البارد، ووُضع مكانه قرد آخر، فإذا بالقرد الجديد يصعد ليأخذ الموز، وبسرعة قام باقي القرود بضربه فورا ومنعه من أن يأخذ الموز دون أن يعرف السبب.

بعدها تم سحب قرد آخر ممن حضر التجربة ووضع قرد جديد، وتكرر نفس الموقف، لكن هذه المرة أخذ القرد الذي دخل حديثا قبل القرد الجديد يضربه هو الآخر دون أن يعرف لماذا يضربه، ودون أن يعرف القرد الجديد لماذا يُضرب، حتى سُحبت جميع القرود التي حضرت تجربة المياه ولم يبق في القفص سوي قرود لم تحضر تجربة المياه، لكنها حضرت تجربة الضرب فقط، ثم أُدخل عليهم قرد جديد وهنا كانت المفاجأة، عندما صعد لأخذ الموز أخذت جميع القرود ممن لم يحضر تجربة المياه يضربونه بدون سبب واضح.

كذلك الاستبداد وما يفعل بالعوام، يجعلهم قوته التي يبطش بها، فيمسخ أفكارهم ويجعلهم يحاربون التغيير بشتي الطرق الممكنة، دون أن يعرفوا حقيقة سبب ذلك.

وهنا يأتي دور ما يسمي بـ«الجماعات الوسيطة» أو ما يُعرف باسم «القلة الواعية» التي يجب عليها أن تبدأ في توعية العوام من الناس، وإعلاء «لا إله إلا الله» في النفوس والقلوب وإخبارهم بحقوقهم: من تعليم جيد، وحفظ للنفس والعرض والممتلكات، وتوفير عمل وسكن كريم لهم.

يخبرونهم ألا يملوا من ذلك حتى يصلوا معهم إلى ثورة الوعي التي ستجعلهم يحكمون أنفسهم دون سلطان قاهر.

 

المقال للصحفي عمرو خالد بتصرف

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة