سيدي المختار نيوز | عندما أصبح المغرب التلميذ النجيب ل صندوق النقد الدولي

عندما أصبح المغرب التلميذ النجيب ل صندوق النقد الدولي

img

أصبحت سياسة الاقتراض لدى المغرب إجراءً روتينيًّا، يتعاطاه في كل مناسبة تعجز فيها الحكومة المغربية عن تغطية الميزانية اللازمة لتدبير شؤون الدولة، وكان آخر مرة يلجأ المغرب للاقتراض من صندوق النقد الدولي يونيو 2016 ، حين قَبِل الصندوق منح الرباط قرضًا بـ3.5 مليار دولار.

ويأتي هذا الاتفاق في إطار خط الوقاية والسيولة

وسبق أن استفاد المغرب من خط مالي، مقدم من صندوق النقد الدولي، بلغت قيمته 6,21 مليار دولار سنة 2012، وحصل على قرض مماثل سنة 2014 بقيمة خمسة مليارات دولار.

وفيما يعتبر البعض سياسة القروض، التي تتبعها الحكومة مؤشرًا جيدًا على أن المغرب يسير في الاتجاه الجيد، يذهب الخبير الاقتصادي عبد القادر برادة، في تصريحه لموقع «لكم»، إلى أن «موافقة صندوق النقد الدولي على منح هذا القرض، يعني أن المغرب يحترم حرفيًّا ما يمليه هذا الصندوق وينفذه»، مضيفًا أن حصول المغرب على قرضٍ لا يمكن أن يكون انتصارًا، فلو كان البلد في وضع مريح لما لجأ إلى القروض.

وتجدر الإشارة إلى أن المغرب يعد البلد الأكثر مديونية على الصعيد العربي والأفريقي، محتلًا الرتبة 29 في التصنيفالحديث لمعهد «ماكنزي» الأمريكي للبلدان الأكثر استدانة في العالم، حيث أصبحت تمثل القروض 1366% من الناتج الداخلي الخام، بارتفاع ـ20 نقطة في الناتج الداخلي الخام خلال الفترة الممتدة بين 2007 و2014.

ولم يسبق لحكومة مغربية من قبل أن حصلت على ثلاثة خطوط مالية، يقارب في مجموعها 15 مليار دولار، في ولاية واحدة، من طرف مؤسسة صندوق النقد الدولي، علاوة على الفوائد المالية التي ستتبعها، وهو ما يشكل عبئًا اقتصاديًّا ثقيلًا بالنسبة للأجيال القادمة.

صندوق النقد الدولي يرسم سياسات المغرب الاقتصادية

إذا كان صندوق النقد الدولي كريمًا في إقراض الرباط بشكلٍ مستمرٍ، فهذا يدل على أن الأداء الاقتصادي للبلاد يحوز على ثقة المؤسسات الدولية الكبرى، ومن جهة أخرى يشير إلى أن رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بنكيران حريصٌ على تطبيق سياسات الصندوق الاقتصادية في البلد.

يظهر ذلك في تنفيذ الحكومة المغربية مجموعة من توصيات صندوق النقد الدولي، التي اشترطها مقابل خطوط السيولة المالية المفتوحة نحو ميزانية الرباط.

كان أول هذه الإصلاحات الاقتصادية، المستلهمة من توصيات صندوق النقد الدولي، هي إصلاح قطاع الطاقة، عن طريق تحرير أسعار المحروقات، ورفع الدولة يدها عن دعم مواد الطاقة المستوردة، ثم بعد ذلك تم تحديث إطار الميزانية من خلال العمل على تحيين الحاجات المالية للدولة، وتقوية القطاع المالي الخاص.

وفي هذا الإطار يدخل أيضًا الإصلاح الذي أقدمت عليه الحكومة المغربية مؤخرًا، المتعلق بصناديق التقاعد، وهو المطلب الذي ظل يطالب به صندوق النقد الدولي منذ تمكينه الرباط من خط السيولة الأول سنة 2012، وقد اعتبر خبراء المؤسسة المالية الدولية أن تأخر إصلاح صناديق التقاعد سيؤثر في المالية العمومية للدولة، والنفقات العمومية تحديدًا.

والأمر لا يختلف مع القرض الأخير، المقدر بـ3.5 مليار دولار، حيث يوصي صندوق النقد الدولي حكومة الرباط بدعم القطاع الخاص، وتنمية الرأي المال البشري، وزيادة مرونة أسعار الصرف.

ولذلك من المنتظر أن تبدأ الحكومة المغربية بإعلان إجراءات، تصب في صالح القطاع الخاص، مثل تحسين فرص الحصول على الائتمان، وضمان المنافسة الصحية بين الشركات. كما يتوقع أن تعدل الحكومة في نظام التعليم، وعلى الأخص إعادة النظر في تقييم كفاءة المدرسين والمتدربين، وملائمة كفاءات الجامعة مع سوق الشغل الخاص.

على هذا النحو، يصبح اقتصاد المغرب تحت إدارة كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولي، أكثر مما هو متحكم فيه من قبل الحكومة المغربية، التي تبدو مضطرة للاستعانة بالسيولة المالية للمؤسسة المالية الدولية، وتوصيات خبرائها، في ظل نقص الرأس مال المادي والبشري محليًّا، القادر على قيادة الاقتصاد الوطني وسط تقلبات الأسوق العالمية.

وتدخل توصيات صندوق النقد الدولي، في سياق خارطة الطريق المرسومة لاقتصادات البلدان المستوردة للنفط بالشرق الوسط وشمال أفريقيا سنة 2012، والتي تهدف إلى تحقيق نمو شامل، بالارتكاز على إجراء إصلاحات تهم السياسة المالية العامة، والسياسة النقدية، وسوق العمل، وإصلاحات نظام التعليم، وتنظيم الأعمال، وممارسة الحكامة الجيدة، والبحث عن التمويل.

إملاءات صندوق النقد الدولي لا تكترث للطبقات الشعبية

ساعدت الإصلاحات التي نصح بها صندوق النقد الدولي الحكومة المغربية سنة 2012، في تحريك عجلة الاقتصاد، وتحسن النمو في عام 2015 بمقدار 5%، وعالجت الاختلالات المالية المحلية والخارجية. كما مكنت الحكومة من تعزيز تحكمها بالميزانية العامة بعد خفض الإنفاق في صندوق المقاصة، حيث تراجع الدعم العمومي للمواد الطاقية والغذائية المستوردة، مثلما أنقذت السيولة المالية المقدمة من المؤسسة المالية الدولية الاقتصاد المغربي من الانهيار.

 

لكن من جهة أخرى، قادت سياسة القروض التي استغرقت فيها الحكومة المغربية إلى رهن مستقبل البلد لدى المؤسسات المالية الكبرى، حيث ستصبح الأولوية لأداء سداد الديون المهولة، التي تتراكم يومًا بعد يومٍ نتيجة الفوائد المالية، بدل الانكباب على التنمية والإصلاحات الداخلية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على حياة مواطنيها، ولا سيما الفقراء منهم.

كما أن الإصلاحات الموصى بها من صندوق النقد الدولي، لم تحسن أحوال الطبقات الشعبية، بقدر ما رفعت واجبات عمومية من المفترض أن تقوم بها الدولة، وصار المواطن البسيط يدفع ثمن تلك الإصلاحات، من خلال ارتفاع أسعار المواد الطاقية والغذائية، وتمديد سن التقاعد، وتزايد خصخصة القطاعات العمومية.

ورغم أن السياسات الاقتصادية الليبرالية، التي يمررها صندوق النقد الدولي من خلال الحكومة المقترضة، تساعد نظريًّا في فتح الأسواق وانتعاشها، وتزايد المشاريع الخاصة، إلا أن الفساد، وغياب العدالة والشفافية يقود إلى احتكار القطاع الخاص من قبل نخب سياسية ومالية فاسدة ونافذة؛ مما يرتد سلبًا على الطبقات الشعبية، التي كانت تستفيد بشكل أو بآخر من خدمات الدولة غير المكلفة.

وبالتالي يدفع المواطنون البسطاء ضريبة هذه الإصلاحات، التي وإن كانت ستسفر عن نتائج إيجابية للاقتصاد الكلي للبلاد، إلا أنها ستسحق الطبقات الفقيرة، غير القادرة على مسايرة الأسواق الحرة، وهو ما انتبه إليه خبراء صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير، حين أوصى بتعزيز الحوكمة والشفافية.

 

مقال ل خالد بن الشريف بتصرف

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة