عقيدة أوباما

img

في مقال نشره موقع «بروكنجز» للدراسات، وصحيفة «أتلانتيك»، تناول «مارتين أنديك»، سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، الحوار المثير للجدل  للكاتب الشهير «جيفري جولدبرج» حول عقيدة أوباما التي تختلف إلى حد ما عن اتجاهات البيت الأبيض السابقة، كما يعرض «أنديك» وجهة نظره الخاصة في دور «أوباما» في الشرق الأوسط بالتحديد.

 

كان مقال الكاتب «جيفري جولدبرج» قد تناول بشكل كامل رؤية «أوباما» تجاه السياسة الخارجية، ومنبع تلك الرؤية، والتي تبدو مخالفة إلى حد كبير لقواعد السياسة الأمريكية التقليدية. بالنسبة لـ«جولدبرج»، وقعت نقطة الانفصال الكبرى بين اتجاهات «أوباما»، وبين «قواعد واشنطن» في 30 آب/أغسطس عام 2013م؛ عندما وضع حدودًا معينة لاستخدام الأسلحة الكيميائية من قبل نظام الأسد. بالنسبة لـ «أوباما» – كما أخبر «جولدبرج» – كانت تلك لحظة حاسمة للغاية في فترة رئاسته، وهو فخور بها للغاية، فعلى الرغم من تحذير الكثير من مستشاريه المقربين للسياسات الخارجية، بمن فيهم من مستشار  الأمن القومي ووزير الخارجية ونائب الرئيس، حيث أخبروه أنه بذلك القرار يضع سمعة الولايات المتحدة على المحك.

 

 

وفق المقال، فقد كان «أوباما» بين اختيارين متضادين: أولهما هو تصميمه التام على منع استخدام أسلحة الدمار الشامل، والنابع من إيمانه بضرورة إقامة نظام دولي يقوم على احترام القواعد. كانت الأولوية بالنسبة لـ «أوباما» أيضًا هي حماية العالم من عدة أخطار كالإرهاب والأوبئة الكبرى والتغيرات المناخية، بالإضافة إلى خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، حيث كان ذلك – بالنسبة لـ «أوباما» – هو ما يميزه عن القوى العالمية الأخرى في العالم، مثل روسيا والصين وإيران، والتي تتخذ منهجًا رجعيًا في تلك القضايا.

 

كانت اتفاقية باريس للمناخ، والتخلص من وباء إيبولا، واتفاق إيران النووي التاريخي، بالإضافة إلى الحرب على «داعش» بمثابة الخطوط العريضة للنقلة التي قام بها «أوباما» من التركيز على القضايا الإقليمية إلى التركيز  على التهديدات العالمية. فمن أناقة الأسلوب الدبلوماسي لـ«أوباما»، مرورًا إلى حشده للمجتمع الدولي لفرض عقوبات فعالة وتطبيقها، فقد نجح «أوباما» أيضًا في حماية المصالح الأمريكية والتأسيس لنظام دولي يخدم المجتمع العالمي بأكملة كما يرى الكاتب.

 

الخيار الثاني أمام «أوباما» بحسب المقال كان محاولة تجنب الدخول في أي حرب جديدة في الشرق الأوسط، والتي يؤمن «أوباما» نفسه بأن الولايات المتحدة يجب أن تقلل من تدخلها فيها. من وجهة نظر «أوباما»، فإن تدفق النفط حاليًا والإنجازات التي حققتها الولايات المتحدة في مجال استقلال مصادر الطاقة الخاصة بها تجعل من وصايتها على الدول المنتجة للنفط في الشرق الأوسط – كونها مصدرًا سابقًا لطاقة الغرب بشكل أساسي- أمرًا منتهيًا ويفترض ألا تكون ضمن اهتمامات البلاد. بخلاف هذا الأمر، فقد كلفت الحملات العسكرية الأمريكية في العراق وأفغانستان الكثير من المال والأرواح، دون فائدة حقيقية. يخبر «أوباما» جولدبرج بأن ليبيا كانت مثالًا لهذا الأمر إلى حد كبير، كون حالة التعصب القبلي والتعنت تسيطر  على البلاد وتقودها نحو المجهول، أمرا لا يمكن أن تتغلب عليه القوة العسكرية للولايات المتحدة.

 

حاليًا، انتهت الحرب الباردة في سوريا، ما يقلل من حاجة الولايات المتحدة للتصارع مع روسيا التي تتدخل لدعم نظام الأسد، والذي دائمًا ما كان عميلها المخلص. في تصريحه لـ«جولدبرج»، قال «أوباما» أنه يعتقد بأن ما قام به «فلاديمير بوتين» من تدخل وعمليات عسكرية في سوريا كلفه الكثير على حساب شعبه. باختصار، يعتقد «أوباما» أن روسيا قد استطاعت تحقيق انتصار على المدى القصير، إلا إنها ستستمر في دفع ثمنه طويلًا.

 

ويرى «أنديك» أنه بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من استغاثتهم الدائمة بـ«أوباما» وواشنطن، لم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لـ«أوباما»، فقد طلب منهم مواجهة الصعوبات وحالة الفوضى المنتشرة، مع استعداده لتقديم صور الدعم المختلفة، باستثناء الدعم العسكري الذي يطلبوه دائمًا ويرفضه «أوباما». وفق التقرير، يؤمن «أوباما» أن معاناة مصر والسعودية من حالة عدم الاستقرار الحالية هي نتيجة لسياساتهم التي تقوم على القمع والعنف وتتخذ شكلًا عنيدًا للغاية، وليس بسبب عدم دعم إدارة «أوباما» لهم بالشكل الذي طلبوه، حيث يذهب «أوباما» في حديثه مع «جولدبرج» إلى ضرورة الوصول لمزيد من التفاهم بين السعودية وإيران..

وفق «بروكينجز»، فإن وجهة نظر «أوباما» تلك، والتي تستهجن تدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تقود إلى خيار جديد، وهو: الابتعاد عن الشرق الأوسط والتوجه نحو آسيا، حيث يدرك أن صعود الصين والهند كقوى عظمى حاليًا يتطلب تركيزًا أكبر  بكثير من جانب الولايات المتحدة، بدلًا من الشرق الأوسط. حيث يسعى «أوباما» متسلحًا باتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي – بفرض إقرارها من قبل الكونغرس – وبتعزيز قوات حلفائه في آسيا إلى كبح جماح الصين، وإيقاف سعيها المتزايد للسيطرة، في الوقت الذي يعتبر  فيه فرض التوازن العالمي من أولويات «أوباما» سياسيًا، وهو اتجاه جديد، ومختلف كليًا عما تتخذه الولايات المتحدة من انفتاح تجاه الصين منذ عهد «ريتشارد نيكسون».

يرى التقرير أن التحدي الأصعب لـ «أوباما» هو التصرف في حالة حدوث تضارب للأهداف التي يسعى إليها، فقراره ـ على سبيل المثال ـ بعدم التدخل في الحرب الدائرة في سوريا جاء متناقضًا مع سياسته التي تقضي بعدم استخدام أسلحة الدمار الشامل، والتي يستخدم النظام السوري الكثير منها، على الرغم من ذلك، كان ثمن قرار  عدم التدخل باهظًا، ليس فقط بالنسبة لسمعة الولايات المتحدة، بل بمقتل 1500 سوري من المدنيين في هجوم شنه نظام «الأسد» بغاز السارين المحرم دوليًا في أغسطس 2013م، على الرغم من كونهم جزءً بسيطًا من ضحايا الحرب الطاحنة، والتي بلغ عدد ضحاياها ـ حتى الآن ـ 470 ألفًا، بالإضافة إلى تشريد 9 ملايين عن منازلهم، من بينهم 5 ملايين يعيشون حاليًا كلاجئين في دول أخرى، فيما يحاول 2 مليون منهم دخول الاتحاد الأوروبي، مما يهدد نظامه واستقراره بشكل كامل.

ووفقا للمقال، فقد كان لإصرار «أوباما» على تجنب التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط عواقب أخرى أيضًا، إذ تطلب الأمر منه أن يتخلى عن دور أمريكا كقوة مسيطرة مسئولة عن حفظ الأمن في الشرق الأوسط المليء بالاضطرابات، وهو الدور الذي لعبته الولايات المتحدة طيلة أكثر من خمسة عقود. تراجعت هيمنة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، بداية من سقوط الرئيس المصري الأسبق «حسني مبارك» – والذي كان أحد الركائز الرئيسة للسياسة الأمريكية في المنطقة – في فبراير(شباط) 2011م. بالرغم من أن عقيدة «أوباما» في ذلك الوقت كانت لا تزال في مراحلها التكوينية، إلا إن حقيقة تأييد «أوباما» للإطاحة بمبارك كانت بمثابة إشارة لجميع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بأن شيئًا بالغ الأهمية على وشك الحدوث.

في نهاية عام 2011م، قرر «أوباما» سحب القوات الأمريكية من العراق وفاءً بتعهده بإنهاء التدخل الأمريكي في حروب الشرق الأوسط، لكن، نتيجةً لهذا القرار، تُركِت بغداد بين أيدي حكومة شيعية خاضعة للنفوذ الإيراني، وتُركِت الأقاليم العراقية السنية معرضة لانبعاث تنظيم كالقاعدة، وهو ما تحقق بالفعل، فسرعان ما تصاعد تنظيم «داعش»، وفقا للمقال.

ويرى الكاتب أن البعض يرى أن جهود «أوباما» لمنع إيران من امتلاك أسلحة نووية مؤشر على أنّه لا يزال مستعدًا لفرض سيطرته على المنطقة، لكن هذا خطأ في تفسير نوايا الرئيس الأمريكي، فقد كان مُصرًّا على عرقلة مساعي إيران لامتلاك سلاح نووي، ليس لأن امتلاك إيران لسلاح نووي سيزيد من زعزعة الاستقرار  في الشرق الأوسط، وإنما تنفيذًا لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهي ركيزة أساسية في أجندة «أوباما» الدولية.

وفقًا للمقال، فإن اختيار «أوباما» التركيز على القضايا العالمية أكثر من الإقليمية فتح الباب أمام «بوتين» ليلعب الدور السابق للولايات ” أمام «بشار الأسد» بعدما استخدام الأسلحة الكيميائية، وتجاوز الخطوط الحمراء للرئيس الأمريكي. استطاع الرئيس الروسي إقناع «الأسد» بتسليم معظم أسلحته الكيميائية، وبالتالي إبعاد «أوباما» عن الدخول في هذه المعضلة، كما أنقذ «الأسد» من خطورة تدخل القوات الأمريكية، وهو نفس ما قام به «بوتين» عندما دعم المفاوضات حول الملف النووي الإيراني والتي تتزعمها الولايات المتحدة.

أدرك الرئيس الروسي أن «عقيدة أوباما» تقدم فرصة له لتحقيق طموحاته الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وذلك من خلال التعاون مع الأجندة الدولية لـ«أوباما». من غير المفاجئ قول «أوباما» لـ«غولدبيرغ» أنه يجد «بوتين» مهذبًا بشكل صارم، ودائمًا ما يهتم بأن يُظهِر بأنه يعمل معنا، وأنه صديق لنا، لأنه ليس غبيًا . قام «بوتين» بالتفكير في الأمر بشكل صحيح، وعلم أن إدارة «أوباما» ستتغاضى عن التدخل العسكري الروسي في سوريا، لطالما أنها ساعدت «أوباما» في تحقيق أجندته العالمية، بالتصدي لتنظيم داعش ومكافحة الإرهاب.

يرى الكثير من النقاد في الولايات المتحدة وفي الشرق الأوسط أن عقيدة «أوباما» تمتلئ بالأخطاء الاستراتيجية، حيث يرى هؤلاء النقاد أن روسيا وإيران سرعان ما اتفقا لسد الفراغ الناجم عن تخلي أمريكا عن دورها السيادي في المنطقة. كما يعتبر العديد من المؤيدين للتدخل الأمريكي أن عقيدة «أوباما» خيانة للقيم الأخلاقية الأمريكية. أما بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، فقد دفعتهم تلك العقيدة إلى إعادة حساباتهم، وليس مفاجئًا أن تجد العديد منهم يلجأون إلى الكرملين.

لكن بالنسبة لـ«أوباما» نفسه، ووفقا للمقال، تبدو تلك النتيجة منطقية ومرحبًا بها، فلو أراد «بوتين» تولّي دور استعادة النظام في تلك المنطقة المضطربة فليفعل. حيث يبدو أن «أوباما» واثق من أن «بوتين» أيضًا سوف يفشل. أما عن وقف إطلاق النار «الهش» في سوريا، والذي تم بفضل تعاون الولايات المتحدة وروسيا، فإنه سيضمن لـ«أوباما»، حال استمراره، تقليل أضرار أحد عواقب عقيدته الأكثر إزعاجًا له، وهي معاناة الشعب السوري ، وفقا لما يختم به المقال.

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة