حصيلة براك أوباما خلال 8 سنوات الجزء الأول

img

بينما يستعد دونالد ترامب لخلافة براك أوباما في رئاسة الولايات المتحدة آخر شهر يناير، وهو الأمر الذي لم يكن الكثيرون ممن شاركوا في تلك الليلة الصاخبة في شيكاغو يتوقعون حدوثه، تكفلت صحيفة “الغارديان” البريطانية أن تقيم فترة رئاسة أوباما: ما الإنجازات التي حققها في المجالات الرئيسية المتنوعة، وهل ستصمد؟ سننشرها إنشاء الله في أجزاء فيناقش الجزء الأول حصيلة أوباما في الاقتصاد والمناخ والرعاية الصحية .

الاقتصاد

بعد ثماني سنوات من تنصيب براك أوباما رئيساً، وصلت سوق الأوراق المالية في أميركا مستوياتٍ قياسية، وانخفضت نسبة البطالة إلى 4.6%، وهي أقل نسبة بطالة شهدتها الولايات المتحدة الأميركية على مدار العقد الأخير، وارتفعت أسعار المنازل بنسبة 23%، بعدما تعافت من كبوتها الضخمة التي يذكرها الجميع.

بهذه المقاييس، يمكن للولايات المتحدة أن تحتفي بالسجل الاقتصادي للرجل الذي ورث أسوأ فترة ركود حدثت منذ الكساد الكبير. ومع ذلك، انتُخب خلفه ترامب اعتماداً على موجةٍ من الشعبوية الاقتصادية، وبناءً على وعدٍ بـ”جعل أميركا عظيمةً ثانيةً”، وهو ما يوحي بأنَّ أعداداً غفيرة من الناس لم تشعر بتغييرٍ يمكن لهم تصديقه رغم كل هذه الأرقام الوردية.

حين نُصِّب براك أوباما رئيساً في يناير من عام 2009، كانت نسبة البطالة 7.6%. وحين أدى الركود الاقتصادي إلى فصل العديد من الناس من وظائفهم ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 10% في أكتوبر من العام ذاته.

ومع أنَّ براك أوباما يمكنه أن يفتخر بتوفير 11 مليون وظيفة خلال عهده، تُشير إحصائياتٌ أخرى إلى أحد الأسباب التي جعلت الناس يريدون التغيير، وهو أنَّ مُعدل مشاركة القوى العاملة، وهو عدد الناس الذين يعملون أو الذين يبحثون عن عمل، قد انخفض انخفاضاً لم يحدث منذ سبعينات القرن الماضي. والسبب في هذا الانخفاض كان موضوعاً شهد الكثير من الجدل. رُبما يكون السبب هو التركيبة السكانية، أو وصول الكثيرين لسن التقاعد، أو ربما يكون الناس قد تخلَّوا عن أملهم في أن يجدوا عملاً مناسباً. حدث معظم الانتعاش التوظيفي في قطاعَي الخدمات والصحة، لكن ما زالت الوظائف الصناعية تختفي بسبب المشروعات الأميركية التي تُقام خارج البلاد، أو بسبب حلول الآلات محل البشر في هذه الوظائف. ونتيجةً لهذا، ظلَّت نسبة نمو الأجور بلا زيادة خلال عهد أوباما.

تجنَّب الاقتصاد الأميركي موجةً أخرى من الخراب في عهد أوباما، لكنَّ النمو كان هزيلاً. لكن تجدر الإشارة إلى أنَّ الاقتصاد، بعدما تعافى من الأزمة الاقتصادية، صار أقوى وأسرع من نظرائه في أوروبا، وذلك بعد تجنُّب إجراءات التقشُّف التي كانت شائعةً هناك. ومنع أوباما أيضاً احتمالية حدوث أزمة كبرى جديدة في القطاع المالي بوضع قواعد صارمة جديدة من خلال فرض قانون “دود-فرانك” لإصلاح “وول ستريت” وحماية المستهلِك.

لكن مع كل هذه الإنجازات الجديرة بالثناء، ترك إرث أوباما الاقتصادي الكثير من الناس شاعرين بأنَّهم غير آمنين، وأنهم لا يتلقون أجوراً كافية. والآن، إذ يَعِد ترامب بتحرير قوى الرأسمالية من جديد، بإلغاء قانون “دود-فرانك” وغيره من القوانين، قد تنتظرنا أوقاتٌ ذات إيقاعٍ أسرع. لكننا جميعاً نعرف ماذا يحدث بعد الكلمات الصاخبة. وربما يكون التاريخ أرحم بإرث أوباما الاقتصادي من الناخبين الأميركيين.

تغيُّر المناخ

 

في أميركا، يُشار إلى أوباما بكونه “أول رئيس للمناخ”، لكن يبدو أنَّه كان الوحيد الذي اهتم بحمل هذا العبء في آخر مرحلة من فترته الرئاسية. لم يذكُر أوباما تغير المناخ كثيراً في حملتيه الانتخابيتين، لكنه مع خروجه من البيت الأبيض، يُصر على أنَّ العالم لا يواجه تهديداً أخطر من تغير المناخ. واستغل أوباما ما تبقى له من وقت ليعوِّض ما فاته.

كانت آخر قرارات أوباما هامةً جداً. فاتفاق باريس، أول اتفاق عالمي بشأن المناخ، وهو أيضاً أول اتفاق شامل على خفض الانبعاثات الضارة بالمناخ بين 196 دولة، لم يكن ليَتِم لولا مداهنة أوباما للصين للانضمام للاتفاقية. وقد أُبرم هذا الاتفاق ووُقِّع عليه في عامٍ واحد، وإن كان غير مُكتمل بعد. وما زالت المهمة شاقة، ولكنَّ تم التغلب أخيراً على فشل مؤتمري كيوتو وكوبنهاغن السابقين في التوصل إلى أي اتفاق.

محلياً، حاول أوباما أن يفرض نظاماً لتقليل الانبعاثات الضارة بالمناخ، وذلك من خلال منح حوافز اقتصادية، لكنَّه فشل في ذلك، ولجأ بدلاً من ذلك للتنظيم المباشر لعمل محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم. الخطة مُعقَّدة، وما زالت في يد القضاء، لكنَّ إجراءاتٍ تنفيذية أخرى قد نجحت، مثل الحَدِّ من تسريبات الميثان، وتحسين فعالية وقود السيارات، وجعل الهيئات البيروقراطية الفيدرالية الواسعة تأخُذ تغيُّر المناخ بجدية. وأخيراً، ساعدت قوى السوق أوباما بأن قلَّلت تكلفة السولار، وطاقة الرياح، والبنزين، مما ساعد على التعجيل بنهاية استخدام الفحم.

وقبل الكريسماس مباشرةً، فرض أوباما حظراً دائماً على عمليات الحفر الجديدة للبحث عن البترول والغاز في معظم المناطق المائية التي تملكها الولايات المتحدة في المحيطين: المتجمد الشمالي والأطلنطي، وهو إجراءٌ أخير يتَّخذه أوباما محاولاً حماية البيئة، قبل أن يُسلِّم السلطة لترامب.

وقال أوباما، بنبرةٍ شبه مازحة، إنَّه هو الذي يجب أن يُوصف بالرئيس المحافظ على البيئة، وليس تيدي روزفلت، الرئيس الأميركي السابق. إذ حمى أوباما مساحةً تزيد عن مليون كيلومتر مربع من الأرض والمياه، وهذا أكثر مما فعله أي رئيس سابق، وتشمل تلك المساحة المنطقة التي كانت تُعدُّ أكبر محمية بحرية في هاواي.

لكنَّ مشكلاتٍ عويصة ما زالت قائمة؛ فلم تكُن أزمة مياه مدينة “فلينت” إلا مثالاً بسيطاً للتلوث البيئي الذي تفاقم بسبب سنواتٍ من الإهمال. وتتعرَّض المُدن والقرى الأميركية تعرضاً متزايداً للعواصف، والسيول، والجفاف بسبب تغيُّر المناخ، لكن لَمْ يتَّفِق الحزبان، الديمقراطي والجمهوري، بعد على خطةٍ لتجهيز الدولة لمواجهة ذلك، أو حتى للاعتراف بالمشكلة. ولا يمكن أن يُلام أوباما سوى على القليل من هذه المشكلات، لكنَّه كان يستطيع أن يمنع بنك التصدير والاستيراد الأميركي من تمويل مشروعات التنقيب عن الوقود الأحفوري خارج البلاد بهذا الشكل الضخم، وكان يجب عليه أن يفعل ذلك.

ستواجه هذه الإنجازات والإخفاقات تعاملاً مختلفاً تماماً على ما يبدو تحت إدارة ترامب؛ إذ أثار ترامب قلق الخبراء والمنادين بحماية البيئة بالأسماء التي رشَّحها لشغل المناصب الأساسية المعنية بقضية المناخ في إدارته. وهدَّد الرئيس المنتخب بأن يلغي تقريباً كل القرارات التي اتخذها براك أوباما لمواجهة تغير المناخ، والتي يبدو الآن أنها عُرضةً للهجوم. لا نعرف بعد إلى أي مدى سيصل ترامب ورفاقه الجمهوريون، لكنَّ تغير المناخ، بلا شك، أمرٌ لن يستمتع أوباما بالشماتة في ترامب إذا ما أخفق في التعامل معه.

الرعاية الصحية

 

كانت الرعاية الصحية، واحتياج الأميركيين لها، قضيةً مِفصلية في حملة الترشح للرئاسة عام 2008. لم يكُن في أميركا نظام رعاية صحية تُديرُه الحكومة؛ لذلك كان مَن لا يملكون تأميناً صحياً تجارياً تحت رحمة نظام الرعاية الصحية الأميركي، الذي يُعدُّ الأغلى في العالم.

تسببت المشكلات الصحية فيما يقترب من نصف حالات الإفلاس. وكان التأمين الصحي لا يغطي مرضى السرطان بعد استنفادهم للحد المخصص لهم من المساعدات. ولم يستطع بعض الناس أن يلتحقوا بوظائف بسبب “إصابتهم بحالات مرضية قائمة من قبل”، من ضمنها حَبّ الشباب. ولم يبدُ التأمين ضد الكوارث قادراً على تغطية الكوارث. وكان الانهيار المالي وشيكاً بالنسبة للكثيرين بسبب المرض.

وذكر براك أوباما في حملته أنه ينوي تنفيذ برنامج تأمين صحي “شامل”، على أمل أن يوفِّر تأميناً صحياً تتكفل به الحكومة، مثل برامج التأمين الصحي الأخرى في أوروبا. لكن بدلاً من ذلك، وافق الكونغرس على تسويةٍ بين الحكومة وبين قطاع الخدمات الصحية، بأن يشتري الأميركيون تأميناً صحياً، وبالتالي سيستفيد عملاء جُدد من خدمات القطاع. واضطر قطاع الخدمات الصحية إلى التوقف عن بعضٍ من ممارساته الكريهة، مثل وجود حد أقصى للخدمات التي يتلقاها المرضى، ورفض تغطية الحالات الصحية التي بدأت قبل الحصول على التأمين، وبَيع برامج تأمين رديئة لتغطية الحوادث الكارثية.

وفي النصف الأول من فترة حكم براك أوباما ، أقرَّ الكونغرس، الذي سيطرت عليه أغلبية ديمقراطية “قانون الرعاية بأسعارٍ معقولة”، الذي يشتهر باسم “أوباما كير”. وهو يُعدُّ أول شبكة أمان اجتماعي منذ أكثر من 50 عاماً. وكان هذا القرار إنجازاً كبيراً يُضاف لإرث أوباما، ووصفه نائب الرئيس جو بايدن بكونه “أمراً بالغ الأهمية”.

ووسَّع هذا القانون نظام “ميديكيد”، وهو نظام التأمين الصحي الذي تكفُله الحكومة للفقراء. وفُرضت ضرائب على الأثرياء لتحسين برنامج “ميديكير”، وهو برنامج الرعاية الحكومي المخصص لكبار السن. ووفَّر دعم الدولة للأسواق التجارية الشفافية اللازمة للأفراد وللمشروعات التجارية الصغيرة للمقارنة بين أنظمة التأمين، وشرائها بأسعارٍ مُدعمة. ووفَّرت هذه القرارات مُجتمعةً التأمين الصحي لـ22 مليون أميركي.

ولتغطية تكاليف الدعم الشعبي، يفرض القانون على الأميركيين أن يشتروا تأميناً صحياً، أو يدفعوا غرامة ضريبية، ووسَّع القانون أيضاً من تغطية وسائل منع الحمل للنساء، وهو ما أثار جدلاً. كل هذه القرارات، بالإضافة لتمرير القانون من خلال الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، أغضبت الجمهوريين.

حاول الجمهوريون إلغاء هذا القانون في المحكمة الدستورية العليا، ومرَّروا العشرات من القوانين لإبطاله، لكن لم تكُن هذه التهديدات يوماً أخطر مما هي الآن. إذ ذَكَر ترامب في حملته أنه سوف يلغي نظام “أوباما كير” ويستبدل به نظاماً آخر، ويتحكم حزبه الجمهوري الآن في الكونغرس والبيت الأبيض. واختار ترامب توم برايس وزيراً للصحة، وهو الرجل الذي عارض نظام “أوباما كير” بشدة حين كان في الكونغرس.

ومع اقتراب مغادرة براك أوباما لمنصبه، تُظهر البيانات الجديدة أنَّ الناس يُسجِّلون أسماءهم للحصول على التأمين الصحي أكثر من ذي قبل، مع أنَّ النظام الصحي، الذي ساعد في تأسيسه، ما زال غير مكتمل. إذ يتسبب وباء المواد الأفيونية في قتل أكثر من 30 ألفاً كل عام، والأميركيون غاضبون من ارتفاع أسعار الأدوية، وما زالت الشركات تستطيع أخذ آلاف الدولارات من الناس على هيئة مصروفات وخصومات.

لكن لو نفَّذ الجمهوريون وعْدَهم بإلغاء نظام “أوباما كير”، قد يتلقَّى الأميركيون درساً مؤلماً وسريعاً بخصوص الرعاية الصحية.

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة