تعويم الدرهم ,أبرز التحديات التي ستواجه المغرب بعد هذه الخطوة

img

بين الخوف والمفاجأة استقبل ياسين أمنصور، الشاب المغربيّ، الذي يبلغ من العمر 22 عامًا، خبر تعويم الدرهم ، في 15 يناير  الجاري، إذ يخضع منذ عامين للعلاج، لكن لا تتوفر الأدوية الذي يحتاجها بالسوق المغربية، لذلك يستوردها من فرنسا، وبالطبع يدفع ثمنها بالعملةِ الصعبة، مخاوف الشاب تكمن في أنه سيكون مضطرًا لدفع مبالغ أكبر في المرة القادمة التي سيشتري فيها دواءه، فالتعويم بلا شك سيحدُّ من القدرة الشرائية لعملة بلاده المحلية، فهل ستنجح الحكومة المغربية في طمأنة أمنصور، وتحقق أهداف التعويم دون المساس بالقدرة الشرائية للمواطنين؟

تعويم الدرهم جاء بعد تأجيلٍ دام عدة أشهر، إلا أنه خلال الأيام الماضية نجحت العملة المغربية في اختبار التعويم وتجاوز أيامه الأولى باستقرار نسبي، وهنا يجب أن نعرف أن التعويم الذي قام به المغرب يختلف كثيرًا عن الحالة المصرية والتونسية أيضًا.

قام بنك المغرب بـ«تعويم جزئي»، فلا زال حتى الآن متحكمًا في قيمة الدرهم المغربي، ويتدخل ليقوم بعمل توازن لحماية العملة، وهو ما يعتبر تغييرًا لشروط قيمة الصرف أكثر منه تعويمًا للدرهم، إذ وسع البنك نطاق تداول الدرهم مقابل العملات الصعبة إلى 2.5% صعودًا أو هبوطًا من سعر مرجعي، ارتفاعًا من 0.3% في السابق.

نجاح التعويم في الأيام الماضية لا يعني أن هذه الخطوة مرت بسلام وحققت أهدافها، إذ لا يعتبر الأجل القصير المقياس الأفضل لنجاح مثل هذه النوع من التعويم من عدمه، ولكن يجب انتظار الأشهر المقبلة، لنعرف آثار التعويم في الاقتصاد والمواطنين، كما أنه وفي المدى الطويل سيكون أمام الحكومة عدة تحديات بعد الانتقال من نظام الصرف الثابت إلى نظام الصرف المرن، يجب أن تنجح في تجاوزها للوصول باقتصاد البلاد إلى بر الأمان، وهو ما سنتحدث عنه خلال السطور القادمة.

التضخُّم.. القدرة الشرائية للمواطن هو التحدي الأهم ل تعويم الدرهم

دائما ما يلازم قرار تعويم أي عملة قفزة كبيرة بالأسعار، وهو الأمر الذي حدث في كل الدول العربية التي لجأت إلى هذه السياسة، وآخرها مصر، التي سجل فيها التضخم مستويات غير مسبوقة بعد التعويم، وبالرغم من أن الاقتصاد المغربي يتميز بمعدل منخفض من التضخم، إلا أنه معرض لتسارع هذه المعدل، ولذلك ليس بسبب سعر العملة فقط، ولكن هناك قرارات أخرى وسياسيات جديدة لجأت إليها البلاد، ستساهم في صعود التضخم.

في ديسمبر  الماضي تسارع التضخم السنوي في المملكة إلى 0.5%، مقارنة بـ0.4% في نوفمبر، وسجل معدل التضخم السنوي لأسعار الغذاء 1.1% في ديسمبر من 0.9% في الشهر السابق عليه، بينما انخفض تضخم أسعار السلع غير الغذائية إلى 0.1% في الاثني عشر شهرًا، بحسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط.

هذا الارتفاع وإن كان قبل قرار تعويم الدرهم ، إلا أنه يعد مؤشرًا على الاتجاه الصاعد للتضخم، في الوقت الذي يؤكد فيه رئيس المركزي المغربي، عبد اللطيف الجواهري، أن المعدل السنوي للتضخم سيرتفع بنسبة 0.4% في الحالة القصوى بسبب التعويم، إلا أن التوقعات تشير إلى ارتفاعه إلى نحو 1.6% في 2018، مقارنة بـ0.2% العام الماضي، في حين يرى صندوق النقد الدولي أنه من المتوقع أن يستقر التضخم عند نحو 2% في الأجل المتوسط.

عمومًا يبقى الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن المغربي هو التحدي الأهم للحكومة خلال الفترة القادمة، وبحسب المهدي لحلو، أستاذ الاقتصاد في جامعة الرباط، في تصريحاته لـ«عربي21» فإن «قرار تعويم الدرهم سيرفع أسعار الواردات من السلع الأساسية التي لا يمكن للمغرب الاستغناء عنها، مثل المحروقات والمواد الغذائية الأولية، مما سيؤثر سلبًا في المواطنين من أصحاب الدخول الثابتة والعاطلين عن العمل، وهذا يعني انخفاض القدرة الشرائية للمواطن المغربي».

وكما ذكرنا فإن الضغوط على التضخم لن تأتي من جانب تعويم الدرهم فقط، إذ إن قرار الحكومة بفرض رسوم استيراد علىالملابس والمنسوجات التركية بنسبة تصل إلى 90% مدة 200 يوم، بالإضافة إلى فرض رسوم على واردات الثلاجات ذات المنشأ التركي والتايلاندي والصيني بنسبة تصل إلى 27% مدة خمس سنوات، سيرفع أسعار هذه المنتجات في السوق المحلية، وهو الأمر الذي يعزز من تسارع معدل التضخم في الأشهر القادمة.

وفي نفس الاتجاه كشف رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، مؤخرًا، عن عزم حكومته رفع الدعم تدريجيًّا عن غاز الطهي، والسكر، والدقيق، معتبره إجراءً «لا مناص منه» في سعي بلاده نحو الإصلاح الهيكلي، لكن يظل هذا الإجراء معلقًا حتى 2020.

على الجانب الآخر، فإن المغرب يعد من أكبر مستوردي الطاقة في المنطقة، إذ تستورد المملكة 95% من احتياجاتها النفطية، وفي ظل انتعاش أسعار النفط مؤخرًا وتجاوزها مستوى 70 دولارًا، ستكون الحكومة في موقف صعب بمواجهة موجة غلاء مرتقبة، إذ تبني البلاد توقعاتها الاقتصادية على أساس سعر برميل النفط في حدود 60 دولارًا، وهو ما يشكل ضغطًا إضافيًّا على اقتصاد البلاد، وربما يقوض من معدل نمو الاقتصاد، ويساعد على ارتفاع معدل التضخم.

عجز الميزان التجاري.. تحتاج لقفزة في صادراتها بنحو 100%

تضع معظم الحكومات التي تلجأ إلى خيار تعويم العملة هدف زيادة الصادرات، وكبح جماح الواردات في مقدمة أهدافها، وهذا ما أعلنه المغرب كذلك، إذ إن البلاد تعاني من عجزٍ مزمن في الميزان التجاري، فهو من أكبر المشاكل الاقتصادية التي تواجه البلاد، لذلك فإن الحكومة أمام تحدٍ كبير لعلاج هذا العجز بعد التعويم، فهل يمكن أن تنجح؟

بحسب مكتب الصرف، المشرف على إحصاءات التجارة الخارجية والنقد الأجنبي في المغرب، فقد ارتفع عجز الميزان التجاري بنسبة 2.6% إلى 20 مليار دولار نهاية العام الماضي، إذ وصل حجم التبادل الخارجي إلى نحو 680 مليار درهم عام 2017، منها 434.7 مليارات واردات، و245 مليارًا صادرات، بنمو نسبته 9.3%، ولكن هذه الزيادة لم تكن كافية لكبح جماح الواردات، في ظل ارتفاع واردات الطاقة بنسبة 27%، نتيجة تحسّن أسعار النفط.

المغرب استورد منتجات نفطية خلال 2017 بنحو 69 مليار درهم، وهي أضخم فاتورة منذ 2015، وهذه القيمة تعادل دخل المملكة من السياحة، كما أنها من المرجَّح أن ترتفع أكثر في ظل استمرار تحسُّن أسعار النفط، وهو ما يشكِّل عائقًا أمام خفض عجز الميزان التجاري، وفي المقابل فإن صادرات البلاد تعاني ضعفًا في التنافسية في أسواق الاتحاد الأوروبي، وتواجه صعوبات في دخول أسواق جديدة، بسبب ارتفاع كلفة الشحن.

وتلعب الحكومة على وتر خفض الواردات، سواء بهدف دعم المنتج المحلي، أو خفض فاتورة الواردات، إذ تعتقد الحكومة أن بعض الواردات لم تعد ضرورية ويمكن الاستعاضة عنها بمنتجات محلية، وهو ما حدث مع الملابس التركية وبعض الأجهزة الكهربائية، لكن من الصعب أن تنجح هذه السياسة بدون نمو كبير في الصادرات، إذ تحتاج المملكة إلى قفزة في صادراتها بنحو 100% للتغلُّب على العجز التجاري.

اقرأ أيضًا: إعلانات الإنترنت المورد الجديد للخزينة المغربية و أول الأهداف جوجل وفيسبوك

 

الاستثمارات الأجنبية والسياحة.. الثمرة المنتظرة من تعويم الدرهم

يرتبط النمو الاقتصادي في المغرب بالعوامل الطبيعية وخصوصًا المطر، وذلك في ظل اعتماد البلاد بشكلٍ كبير على قطاع الفلاحة، إلا أنه وبعد خطوة التعويم من المفترض أن تسعى الحكومة إلى إنعاش قطاعي الاستثمارات الأجنبية والسياحة، وذلك لضمان معدل نمو قوي، فغالبًا ما نجد فجوة بين نسب النمو المتوقعة والمسجلة للاقتصاد المغربي، وهذا يرجع للاعتماد على قطاع واحد.

ويبقى التحدي هو قدرة الحكومة على إنعاش القطاعين، إذ تتوقع المملكة استقبال نحو 11.8 مليون سائح خلال 2018، وتحقيق إيرادات بقيمة 7.2 مليار دولار، وذلك بزيادة نحو مليار دولار عن الرقم المحقق في 2016، وبحسب وزير السياحة، محمد ساجد، تعول البلاد على القطاع لتوفير أكثر من 532 ألف فرصة عمل، في ظل أن عدد العاملين في هذا القطاع يبلغ 2.5 مليون شخص، وهو ما سيسهم في تحقيق توازن مالي واقتصادي.

وشهد عدد السائحين الذين زاروا المغرب نموًا من 9.3 ملايين سائح، في سنة 2010، إلى 10.3 ملايين في 2016، وذلك بزيادة سنوية تصل إلى 1.7%، وهو معدَّل نمو بطيء، لكن من المنتظر أن يسهم التعويم في رفع هذا المعدل، بينما تعولالبلاد على دول مجلس التعاون الخليجي، التي تشكل القسم الأكبر من السياحة العربية في المغرب البالغة نحو 450 ألف سائح.

وفي المقابل تعمل المغرب على استراتيجية ترويجية جديدة تستهدف السوق الآسيوية عمومًا، والصينية بشكلٍ خاص، وذلك بهدف جذب 300 ألف صيني إلى المغرب بحلول 2020.

على الجانب الآخر، يظل قطاع الاستثمارات الأجنبية دون مستوى المتوسط، خلال السنوات العشر الماضية، وبحسب مكتب الصرف فإن تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة ارتفعت بنسبة 12% لتبلغ 23.7 مليار درهم خلال 2017، مقابل 21.1 مليار درهم في سنة 2016، وهو ما يشير إلى تحسن ملحوظ لكن تظل الأرقام ضعيفة والمساهمة في الاقتصاد متواضعة، فهل ستنجح الحكومة في زيادة هذه المساهمة قريبًا؟

 

مقال ل أحمد طلب

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة