المغاربة و القراءة طلاق خلع

img

سئل أرسطو يومًا «كيف تحكم على إنسان؟» فأجاب: «اسأله كم كتابًا قرأ؟ وماذا يقرأ؟» لا يبدو إذن أن القراءة فعلٌ هامشي، يُمكن الاستغناء عنه ببساطة، بقدر ما أنها عملية جوهرية تحدد طبيعتنا في الوجود، أو كما قال الكاتب الفرنسي هنري مانترلانت «لا فرق بين الميت، ومن لا يقرأ».

لكن ماذا إن أصبح «عدم القراءة» ظاهرة مجتمعية، كيف سيكون تأثيرها على البلاد ككل؟ هذا ما يحدث في المغرب، لذا لا تنفك الأصوات الثقافية فيه عن دق ناقوس الخطر؛ نظرًا لوصول معدلات القراءة في البلاد إلى الحضيض؛ لدرجة أن أصبح مشاهير الكتاب المغاربة يعرفون في المشرق والغرب، أكثر مما يعرفون داخل وطنهم.

فوبيا الكتب

بشكل عام، تفصل شعوب العالم العربي هوة شاسعة بينها وبين شعوب البلدان المتقدمة من حيث شيوع عادة القراءة؛ إذ يشير تقرير لمنظمة «الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم» (اليونسكو)، إلى أن كل 80 شخص من مواطني المنطقة العربية، يقرأون مجتمعين كتابًا واحدًا فقط في السنة، مقابل 35 كتابًا يقرأه المواطن الأوروبي، و40 كتابا يقرأه الإسرائيلي.

وفي تقرير إحصائي حول القراءة، أصدرته مؤسسة «الفكر العربي» سنة 2011، يستثني قراءة الصحف والمجلات وتقارير العمل وكتب التسلية والكتب المدرسية، يظهر أن المواطن العربي يقرأ بمعدل ست دقائق سنويًا، بينما يقرأ الأوروبي بمعدل 200 ساعة في السنة الواحدة.

غير أنه عند الحديث عن المغرب، نجد أن الأزمة أكثر تجذّرًا، حتى أصبح القارئ بمثابة كائن مُهدد بالانقراض، يتضح ذلك مثلًا من صورة المسن الذي بدا منغمسًا في القراءة بكشك لبيع الكتب القديمة، والتي انتشرت مؤخرًا على الصفحات المغربية بموقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، كظاهرة نادرة في الوسط المغربي تدعو للإعجاب.

في هذا الصدد، صرح وزير الثقافة المغربي في ندوة صحافية له، سنة 2012، بأن «القارئ المغربي، لا يقرأ إلا دقيقتين في السنة، في حين إن القارئ الأوروبي يقرأ 200 ساعة في السنة»، فيما تشير إحصاءات أخرى إلى أن متوسط القراءة لدى المغاربة، لا يتجاوز خمسة أسطر للفرد الواحد في السنة.

وإذا ما حاولنا التطرق للمبيعات، فإن أكثر الكتب المنشورة في المغرب مبيعًا لا تتجاوز طبعتها في أحسن الأحوال خمسة آلاف نسخة، وفي غالب الأحيان تستقر في بضعة مئات، وهو أمر يقل بكثير عما هو الحال في بلد أقل مساحة، وأقل كثافة سكانية، مثل لبنان. وبسبب الانخفاض الحاد في مبيعات الكتب، رفض القاص المغربي «أحمد بوزفور» سنة 2004، استلام جائزة قدمتها له وزارة الثقافة المغربية، قائلًا «لا يمكن أن أقبل جائزة وزارة الثقافة عن كتاب طبعت منه ألف نسخة، ولم أوزع إلا 500 نسخة في أسواق شعب من 30 مليون نسمة، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على تفشي الأمية والجهل في بلدي، وفشل برامج الحكومة في محو هذه الأمية».

أما بالنسبة لمبيعات الجرائد في المغرب، فلا يتجاوز مجموع مبيعاتها مجتمعة، مع احتساب المرجوعات، 200 ألف نسخة يوميًا. في حين تضاعفت مبيعات جريدة «الشروق» الجزائرية هذا الرقم وحدها ثلاثة أضعاف، علمًا أن الوضع الاجتماعي والسكاني للجزائر يعادل تقريبًا الوضع في المغرب.

لماذا لا يقرأ المغاربة؟

أمام هذا الوضع، لا يمكن سوى أن نتساءل عن السبب الحقيقي، الذي يجعل جُلّ المغاربة في عداء مستمر مع القراءة. في الواقع، لا يبدو من السهل الوصول إلى الجذور الحقيقية لظاهرة انعدام القراءة في المجتمع المغرب، إلا أن هُناك أسبابًا ظاهرة دارجة، تُساهم في تنامي هذه الظاهرة.

الأمية

حسب الأرقام الرسمية، فإن نسبة الأمية في المغرب تبلغ 10 ملايين من أصل 34 مليون، أي أن ثلث المغاربة تقريبًا هم قطعيًا خارج الجمهور القادر على القراءة، ليتبقى 20 مليون على الأقل يمكنهم القراءة.

بيد أن هذا العدد لا يمثل العدد الحقيقي للمغاربة القادرين على القراءة؛ إذا علمنا أن نسبة كبيرة لم تتجاوز السلك الابتدائي، وأخرى تعاني من الأمية الثقافية، فيما فئة أخرى تعتبر سلوك القراءة آخر شيء يمكن أن تفكر فيه. في النهاية سنحصل على نسبة ضئيلة جدًا، تمثل في أغلبها الطلاب والأساتذة، وهم الجمهور المفترض لقراءة الكتب.

الفقر

سلوك القراءة، بالرغم من أهميته في البناء الإنساني والحضاري، هو في الأخير نوع من الترف الفكري، مقارنة مع أساسيات الحياة، ولا يمكن أن ينتشر، إلا في مجتمعات الرفاه. أما بالنسبة للمجتمعات الفقيرة، فينشغل أفرادها عادة بتوفير ضروريات البقاء على قيد الحياة، من غذاء وملبس ومسكن.

يحتل المغرب الرتبة 126 في تقرير التنمية، الصادر عن الأمم المتحدة لسنة 2015، متأخرًا بذلك عن «العراق وغينيا والرأس الأخضر». وفي تقرير حديث للمؤسسة العربية لضمان الاستثمار، أوردت في عددها الفصلي أن دخل المغاربة الفردي، يُعد من الدخول الأضعف عربيُا؛ إذ يبلغ متوسطه السنوي 3392 دولار للفرد الواحد.

وبالرغم من أن هذا الرقم يبدو في غاية الضعف، إلا أنه يبقى غير دقيق، باعتبار أن المغرب يعرف تفاوتات مهولة بين دخول أفراده؛ إذ يسيطر رجال الدولة والموظفون الساميون والسياسيون، بالإضافة إلى حفنة من رجال الأعمال، على معظم الثروة.

ضعف النخبة السياسية

من المعروف أن التعليم في المغرب يحتل مراتب متأخر في التقارير الدولية التي تتطرق لجودة التعليم، حتى صارت المسألة مسلمًا بها من طرف وزارة التعليم نفسها؛ بعد الفشل الذريع لكافة البرامج «البيداغوجية» التي حاولت إصلاح التعليم في المغرب.

وبما أن هناك علاقة جوهرية بين نجاعة النظام التعليمي وسلوك القراءة، فإنه بالتأكيد سيرتد ذلك سلبًا على اكتساب عادة القراءة.

كما أن السلطات السياسية، مسئولة أيضًا عن ضرورة توفير البنيات اللازمة، من معارض ومكتبات عامة ومراكز ثقافية، لتقريب الكتب إلى الناس بأبسط السبل.

عوامل ثقافية

في الواقع، قد تكون للأسباب التي ذكرناها آنفًا دور في نفور المغاربة من القراءة، إلا أنها تبقى غير كافية في الحقيقة لتفسير المعدلات جد المتدنية لدى شعب يفوق عدد أفراده 34 مليون نسمة.

الأمر الذي يحيلنا إلى عوامل ثقافية مبطنة؛ قد تكون وراء غياب ثقافة القراءة لدى المغاربة، لعل واحدًا منها، الصورة السلبية للقراءة، لدرجة الاحتقار لدى الذهنية المغربية، التي تتمثل فعل القراءة كنشاط «تبذيري» لا طائلة منه، ولا يفيد الناس في واقعهم اليومي المتسم بالقسوة دائمًا!

بالإضافة إلى أعطاب في التنشئة لدى كل من الأسرة والمدرسة، بخصوص تعليم الأطفال ثقافة القراءة؛ إذ لا يحاول الآباء والمدرسون تحبيب ـ هذه العادة ـ إلى نفوس الصغار، مما يجعلهم يشعرون بالغربة تجاهها، بعد نضجهم.

يبدو إذن سلوك القراءة مرتبطًا بالبيئة بشكل وثيق؛ فكلما توفرت تنشئة أسرية ومدرسية سليمة، وبيئة مستقرة اقتصاديًا ونفسيًا، وثقافة جمعية غير عدائية، كلما طبع الناس أكثر مع الكتب، والعكس صحيح. في النهاية سنصل إلى أن السلطات السياسية للبلد تتحمل الحصة الأكبر من المسئولية في تسميم البيئة المحيطة بالناس، لتغدو غير صالحة لانتشار عادة القراءة بين أفراد المجتمع، باعتبار الدولة لم توفر الظروف الاقتصادية والتعليمية الملائمة لمواطنيها، لتعلم ثقافة القراءة.

ولعل انتشار استعمال شبكة الإنترنت والأجهزة الذكية بين شباب المغرب، قد يساهم، كما يتفاءل البعض، في مصالحة المغاربة مع القراءة مستقبلًا، ولو بشكل طفيف.

 

موقع ساسة بوست

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة