الجهاد البحري أو القرصنة بمسمى الدين

img

 

تعود ظاهرة الجهاد البحري ، وفق المؤرخون، إلى أواخر القرن التاسع ميلادي، لكنها ازدهرت مع القرن الـ15، عندما كان القراصنة المسلمون من شمال إفريقيا يغيرون على سفن وسواحل أوروبا، حيث كانت تنطلق الهجمات من موانئ مدن تونس وطرابلس والجزائر وسلا ومدن مغربية أخرى، لتمخر عباب المحيط في المنطقة الغربية للبحر الأبيض المتوسط وعلى طول سواحل المحيط الأطلسي الأوروبية والإفريقية، بحثًا عن سفن مارة.

استهدفت مجموعات القراصنة في الشمال الإفريقي السفن التجارية الفرنسية والبرتغالية والإسبانية والهولندية، من أجل الحصول على غنائم السفن التجارية الأوروبية وأسر الجواري العبيد، بهدف استغلالهم وبيعهم في سوق النخاسة.

وبلغت القرصنة ذروتها خلال القرن الـ16، بعد انضمام الموريسكيين، الأندلسيين المطرودين من قبل المماليك القشتالية الإسبانية، إلى حركات القرصنة المزدهرة بالشمال الإفريقي آنذاك للانتقام، فبرز العديد من قادة القراصنة المشهورين، مثل «خير الدين بربروس»، و«عروج بربروس»، و«طورجوت رايس»، و«مراد رايس».

ويشير تقرير تاريخي لـ bbc، إلى أن القراصنة المسلمون في شمال إفريقيا استولوا على مئات السفن التجارية الأوروبية، وأسروا بين 800 ألف و1.25 مليون من الأوروبيين كعبيد، معظمهم نساء، خلال الفترة ما بين القرن الـ16 والـ19.

غير أنه في القرن الـ17، ستتغير موازين القوة، حيث أصبحت أوروبا تتقوى مع انطلاق الثورة العلمية، فصارت البواخر الأوروبية العسكرية تهاجم قراصنة شمال إفريقيا الذين يحاولون السطو على السفن التجارية، لكن بالرغم من ذلك ظلت أوروبا تعاني من القرصنة إلى حدود القرن التاسع عشر، حيث ستضع الثورة الصناعية حدًا لأعمال القرصنة البحرية، لتنتهي باستعمار شمال إفريقيا.

تسببت «القرصنة الجهادية» في تراجع التجارة الأوروبية، حتى إن بعض الباحثين التاريخيين الغربيين، يرجعون دخول أوروبا في عصر «الظلمات» إلى هجمات القراصنة الذين دمروا اقتصاد أوروبا.

كانت أوروبا خلال تلك الفترة تشهد علاقات تجارية مع بلدان آسيا والهند، فكان القراصنة يستغلون فرصة مرور السفن المحملة بالبضائع بسواحل البحر الأبيض المتوسط، فيقومون بنهبها أو إغراقها في الماء؛ مما تسبب بخسائر مادية فادحة للتجارة الأوروبية آنذاك.

 

وأرغمت أعمال القرصنة التجار الأوروبيين بالإحجام عن إرسال سفنهم التجارية إلى البحر؛ مما أدى إلى تراجع شديد للتجارة الأوروبية مع بلدان آسيا والهند، فتردت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلدان أوروبا، وحلت المجاعات والأوبئة، التي حصدت ملايين الأرواح.

في المقابل كانت بلدان شمال إفريقيا تعيش أوج ازدهارها الاقتصادي، من خلال اختطاف السفن التجارية المحملة بالبضائع، والحصول على ما فيها من سلع وأموال، حتى أصبحت حرفة الجهاد البحري ضد السفن المسيحية، مورد رزق وتعبد في نفس الوقت لآلاف الرجال بشمال إفريقيا، الذين كانوا يقتسمون الغنائم بينهم.

علاوة على ذلك، ازدادت تجارة النخاسة رواجًا؛ حيث كان يستولي القراصنة على آلاف الجواري والعبيد في كل سنة يغيرون فيها على السواحل الأوروبية، فيعودون إلى بيعهم في الأسواق بمختلف بقاع المغرب والامبراطورية العثمانية، ما حرَّك اقتصاد بلدان شمال إفريقيا، وعاد بكثير من السيولة النقدية لحكوماتها.

إلا أنه مع بدء الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، خطت أوروبا قفزة نوعية، فتفوقت بفارق كبير على جيرانها في البحر الأبيض المتوسط، علميًا واجتماعيًا وعسكريًا؛ مما جعلها أكثر قوة لحماية تجارتها الخارجية من القرصنة، الأمر الذي قاد إلى تطور اقتصادها بشكل سريع، ووسعت تجارتها مع البلدان البعيدة.

في الوقت الذي فيه توقفت أعمال القرصنة فتدهورت أكثر أوضاع بلدان شمال إفريقيا الاقتصادية والاجتماعية؛ مما جعل حكوماتها الفاسدة وغير الكفؤة تستدين من بلدان الغرب، حتى سقطت في النهاية المنطقة بيد الاستعمار خلال القرن التاسع عشر.

وبعد تأسيس الأمم المتحدة في النصف الأخير من القرن العشرين، أصبحت أعمال القرصنة مجرمة دوليًا، وغدت البلدان العظمى، مثل أمريكا وفرنسا والصين وبريطانيا، ترسل أساطيلها العسكرية لتأمين طرق تجارتها البحرية؛ مما أدى إلى انقراض هذه الظاهرة، وإن عادت للظهور فترة قصيرة خلال السنوات القصيرة مع الصوماليين، الذين ضاقت بهم أوضاع بلادهم المزرية إلى نهب السفن المارة بجانب سواحل الصومال لتحصيل عيشهم.

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة