التفاهة وضياع المعنى

img

كانت حفلة التفاهة آخر ما ختم بها الآديب التشيكي ميلان كوندرا مسيرته الأدبية الطويلة ,التي إستهزأ فيها من نفسه ومن كتاباته ومن قرائه وناقديه الذين يأخذون رواياته بأفكار وفلسفة وتأويلات أكثر مما تحتمل، كثيرًا ما يرافقني عنوان هذه الرواية التي رسم فيها كونديرا معالم التفاهة ووصفها بـ«جوهر الوجود» حسب تعبيره، فلا قيمة جوهرية للأشياء، هي قيم يصنعها التاريخ والمؤسسات، نصوص من هيغل وشوبنهاور تحضر لترسم موقفه العدمي، ستالين يتحول إلى شبه مهرج يائس بوجه إرادته نفسها، معالم فرنسا الحضاريّة تصبح مدعاة للسخرية ويتم التبول عليها.

هذه التفاهة التي صورها لنا كونديرا وكأنه يقول لنا لا قيمة للأشياء دون المعنى، وهذا المعنى لا يكون إلا بفهم عميق لجوهر الشيء وخاصة لمقصده وتأثيره على الإنسانية والوجود.

«نيتشه» لم يكن يهذي ولم يكن مجنونا عندما وصف ما نصادفه في الحياة بتفاهة اللامعنى، وربما من مظاهر هذه التفاهة أن من مثله يوصف بالمريض عقليا وهو الذي تحدث عن زماننا هذا من قبل مائة سنة وأعلن موت «الإله» القيمي والأخلاقي والمعنوي في العالم ليغوص في مابعد الحداثة بماديتها وشكلانيتها وإعفائها لجوهر الإنسان والوجود مما جعل منه منظر العدمية التاريخي.

بعيد عن منهج التعريفات وتعريف التعريفات والسرديات المقتبسة من هنا وهناك، وقريب من فؤاد القارئ وعقله الذي نلحظ التعدي على ذائقته الأدبية كل يوم، كتب ومقالات وعناوين تظهر لنا في كل لحظة، مشاهير جدد ومنظرون كثر وكتاب بارعون نكتشفهم مع كل جلسة لنا أمام حواسيبنا أو هواتفنا الذكية.

فلانة تكتب «رسالة من عزباء إلى متزوجات» وأخرى ترد عليها «من متزوجة إلى عزباوات» ، أخرى لا تريد أن تكون أمّا وآخر يتحدث عن مميزات الزوجة الطويلة وأربعة خطوات لتكون روائيا وكاتبا وغيرها من عناوين كثيرة لا تميز فيها بين الغث والسمين، بل تحصد آلاف الإعجابات والمشاركات من قبل الناس، وتجد من المدح ما تخجل أنت تقوله لنص من نصوص «موليار» أو «شيكسبير» عندما كان فعل لا يقوم به إلا الشجعان على وصف أحدهم.

لكن لعلنا في هذا الزمن، زمان الخيبات الكبرى والهزائم المتكررة والمعاني المفقودة، صرنا نحتفي بتفاهة غيرنا فقط لأنه من المشاهير أو لأن تفاهته التي لا معنى لها نشرت في مكان يتوافد إليه الناس، «الكتابة» والتي شبهها كافكا بشكل من أشكال الصلاة صارت في هذا الزمن شكل من أشكال التسويق والتجارة بالحروف لحصد أكثر عدد من المعجبين وتصدر كرسي الشهرة بين مئات الأسماء التي أصبحت بمجرد كلمات تزينت بصور على حائط مدونة كاتبة ومنظرة وتعطي رأيها في كل نازلة وحادثة.

ربما عليا أن أعود لكونديرا وأقف عند قوله بإننا نعيش في «عصر أفول الفكاهات أي عصر ما بعد المزاحات»، ولعله كان صادقا في هذا الوصف حيث أن حتى التفاهة تم تجاوزها في النص، وحتى المعنى صار هامشا في غمرة النصوص المتهاطلة علينا يوميا، وحتى أسطورة الكاتب والروائي تم تقزيمها والتعدي عليها من طرف هؤلاء، بل أصبحت صفة لمن لا صفة له، وربما هم أكّدوا كلمة فوكو ذات لحظة عندما قال «إننا ننتقل من زمن الأسطورة إلى زمن السيرة الذاتية»

ساسة بوست بتصرف

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة