سيدي المختار نيوز | التعليم في المغرب من أين؟ و إلى أين؟

التعليم في المغرب من أين؟ و إلى أين؟

img

تأتي قضية التعليم في المغرب في مقدمة الانشغالات والأولويات الوطنية في خطاب الفاعلين السياسيين الرئيسيين ، وذلك بعد مسألة الوحدة الترابية للمملكة. ولقد سطر الميثاق الوطني للتربية والتكوين لسنة 1999، المبادئ والدعامات والغايات الكبرى للنظام التربوي المغربي، فكانت مختلف الإصلاحات المتوالية في مستهل القرن الواحد والعشرين، مستندة إلى هذا الإطار، ومحاولة إعطاء نفس جديد لهذه الوثيقة المرجعية، وترميم اختلالات تنزيلها في الميدان، من خلال تغييرات جزئية، هامشية وتدرجية (Changements incrémentaux)، كشفت في مجملها عن عجز كبير في معالجة المشاكل الجوهرية والجذرية لمنظومة التربية والتكوين المغربية.

ويشير الميثاق المذكور (الدعامة19 )، إلى أن مسألة تمويل نظام التربية والتكوين ترتبط بربح رهانات إصلاحه، وتطوير وتوسيع مداه، وميز في هذا الصدد بين الرهانات الكمية المتعلقة بتعميم التعليم، والرهانات النوعية المتمثلة في الجودة.

إن بلوغ هذه الرهانات يقتضي، حسب نفس الوثيقة، ضرورة التقيد بأقصى درجات الفعالية والنجاعة والتزام الترشيد والشفافية (المادة 168)، والأخذ بمبدأ «تنويع موارد تمويل التربية والتكوين»، الذي يقتضي إسهام الفاعلين والشركاء من دولة وجماعات ترابية ومقاولات وأسر ميسورة.

في هذا السياق، وبالنظر إلى أن البحث عن الموارد المالية الضرورية لتمويل السياسات العمومية، يشكل هاجسًا حقيقيًّا لصناع القرار، أبدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في نوفمبر الماضي، رأيه الاستشاري بخصوص مشروع القانون – الإطار للتربية والتكوين والبحث العلمي، بإحالة من رئيس الحكومة السيد عبد الإله بنكيران، وذلك قبل أن يحال المشروع مستقبلا في صيغته الحالية أو المعدلة على البرلمان، الذي خول له الفصل 71 من الدستور المغربي(الفقرة الأخيرة) صلاحية التصويت على قوانين تضع إطارًا للأهداف الأساسية لنشاط الدولة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية، وهو ما يضع نواب الأمة أمام مسؤولية جسيمة في تجويد مقتضيات هذا النص المتعلق بورش استراتيجي يرهن مصير أمة.

وقف رأي المجلس رقم 02/2016على ضعف ومحدودية الحمولة القانونية للمشروع، وعدم ارتقاء مقتضياته إلى مستوى التأطير المعياري للسياسات العمومية في هذا المجال، فرغم استنساخ النص لمضامين وتوجهات الرؤية الاستراتيجية (2015-2030) التي أعدها المجلس وقدمها للملك محمد السادس، فقد غابت عنه الدقة في تحديد توجهات تشريعية وتنظيمية ومالية ملزمة، وتدابير مؤسساتية وميدانية.

ومن أجل تنويع مصادر التمويل، كما ذكرنا آنفا، أوصى المجلس من بين ما أوصى به، بإحداث وتطبيق رسوم التسجيل ما بعد التعليم الإلزامي (الأولي، الابتدائي، الاعدادي)، أي في الثانوي التأهيلي والطور الجامعي، مع تطبيق مبدأ الإلغاء الآلي على الأسر المعوزة، وبناء على دراسة لمقدرة الأسر على المساهمة في التمويل، تستهدف تحديد الإعفاءات، وسقف الرسوم الممكن إحداثها، وتضمين نتائج هذه الدراسة وآليات تنفيذها في نص قانوني.

لقد أثارت هذه التوصية الكثير من ردود الأفعال المؤيدة والمعارضة في أوساط العامة والخاصة، ارتأينا العودة إلى قراءة هذا الجدل بتأن بعد هدوء العاصفة، وبالنظر لأهمية هذا الموضوع الاستراتيجي والمصيري.

الدفاع عن مجانية التعليم في المغرب

يستند أنصار هذا الطرح إلى اعتبار التعليم في المغرب خدمة عمومية مجانية، يتعين أن يستفيد منها عامة الشعب، وبدون مقابل. كما أن أغلب المستفيدين من هذه الخدمة، ينحدرون من أوساط اجتماعية فقيرة أو محدودة الدخل، وهذه الفئات لايمكنها تحمل التبعات المالية لإلغاء المجانية، بل إن أداء رسوم التسجيل قد يدفع بالعديد من أبناء الشرائح الهشة اقتصاديا إلى مغادرة مقاعد الدراسة بسبب عجز هذه الأسر عن الأداء.

يدعم المدافعون عن مجانية التعليم في المغرب موقفهم، باعتبار إلغاء المجانية جزءا من مسلسل أو مخططًا استراتيجيًّا، يرمي إلى الإجهاز على المدرسة العمومية والجامعة، وتكريس الفقر والأمية والجهل في صفوف فئات عريضة من الشعب، بما يعزز فرضية استمرار البنيات الاجتماعية والسياسية القائمة.كما أن هذه المسألة تخدم أجندة المؤسسات المالية الدولية المانحة، على غرار العديد من القرارات الأخرى كإصلاح نظام التقاعد، ومرسوم فصل التكوين عن التوظيف التي مررتها حكومة السيد عبد الإله بنكيران السابقة.

إن التعليم العمومي، وفق نفس الطرح، يمول أصلا من أموال دافعي الضرائب، فلم المطالبة بأداء رسوم إضافية؟، مع توافر إمكانية الاتجاه بدلا من ذلك إلى فرض الضريبة على الثروة، من أجل التكريس الفعلي للتضامن الوطني والتكافل الاجتماعي، دون التمادي في إفقار من هم فقراء أصلا.

و عموما، فهذا الاتجاه دعمته قوى اجتماعية (نقابات، وجمعيات، وهيئات حقوقية…)، وهي تحركات اتخذت طابعًا نضاليًّا صرفًا، بشكل غيب النقاش العلمي والموضوعي حول المسألة، نقاش من شأنه الإلمام بكل أبعاد وإشكاليات التعليم العميقة والمترابطة.

خطاب مستتر حول إلغاء مجانية التعليم في المغرب

في الضفة الأخرى، يتوارى خطاب مستتر، لا يعبر عن نفسه بشكل واضح، خطاب نقيض يدافع عن أداء رسوم التسجيل في الطورين الثانوي والعالي من التعليم. ويتجه إلى اعتبار مسألة النهوض بأوضاع المدرسة العمومية يحتاج إلى البحث عن روافد جديدة للتمويل(لا إصلاح بدون موارد مالية).

و من شأن إلغاء مجانية التعليم الثانوي والعالي بالقطاع العمومي، رفع مردودية وجودة الأداء البيداغوجي لهذا القطاع، مما سيمنحه جاذبية وإقبالًا يفتقدها حاليًّا، حتى من لدن زبناء التعليم الخصوصي، والذي ظل يستنزف حيزا مهما من المقدرات المالية للعديد من الأسر المغربية، والتي لا تتوافر دائما على إمكانيات تؤهلها لذلك، كما أن الجودة لا تحضر دائمًا في هذا التعليم نفسه، كما قد يروج له البعض.

ويعضد هذا الخطاب المتواري رأيه، باعتبار مسألة فرض رسوم للتسجيل كفيلة بتحقيق نوع من «إعادة توزيع الموارد»، في ظل الفوارق المجالية الصارخة أحيانا بين مناطق وجهات المملكة، بل بين منطقة وأخرى داخل نفس الجهة أو الإقليم. وذلك في اتجاه تكريس وتعزيز قيم العدالة والإنصاف والمساواة في الولوج إلى الحق في التعليم العصري الجيد بين كل المواطنين المغاربة، كما ينص على ذلك الفصل 31 من دستور 2011.

من أجل نقاش عمومي عقلاني حول مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص

من المسلم به أن المدرسة والجامعة تقعان اليوم في صلب أي مشروع مجتمعي طموح، وذلك بالنظر إلى استحالة النهضة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية دون تنمية معارف وكفايات الأفراد، والارتقاء بهم فكريًّا.

إلا أن المدرسة العمومية اليوم، وكما بينت العديد من التقارير الوطنية والدولية، توجد في وضعية أزمة بالشكل الذي جعلها تفتقد إلى الفعالية والنجاعة وعدم القدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية ومستجدات البحث العلمي.

وجدير بالذكر أن الرؤية الاستراتيجية التي صاغها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي (2015-2030) حددت ثلاثة أسس للمدرسة المأمولة: الإنصاف وتكافؤ الفرص، والجودة للجميع، والارتقاء بالفرد والمجتمع.

إن المدرسة، باعتبارها مؤسسة مركزية في المجتمعات المعاصرة، تضطلع بدور التنشئة الاجتماعية الأولية، لكنها كذلك من منظور السوسيولوجيا الثقافية، قد تساهم في إنتاج وإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية، بل إنها تضفي نوعًا من المشروعية على هذه التفاوتات، من خلال خطاب تمويهي حول الاستحقاقية (Méritocratie) وتكافؤ الفرص.

فالانتماء الاجتماعي يعتبر في الغالب الأعم محددًا أساسيًّا في النجاح المدرسي والمهني، حتى وإن لم يكن ذلك دائما وبشكل حتمي، فهذا الانتماء يمكن أفراد معينين من حيازة رساميل رمزية، يصعب على أفراد آخرين من الفئات المهمشة أو الدنيا من حيث التراتبية الاجتماعية الولوج إليها (لغة، ثقافة عالمية…)، وهو ما يجسد نوعًا من أنواع العنف الرمزي(Violence symbolique) الهادف إلى ضمان وضع السيطرة وتملك السلطة في مفهومها الواسع، وتكريس التمايزات عبر المؤسسات الرسمية.

و في ظل الجدل المحتدم حول رهانات المدرسة في المغرب وجدل المجانية تحديدا، وبعيدا عن الخطاب النضالي الذي قد يعمينا على الفهم نطرح من موقعنا التساؤلات التالية:

– ما جدوى البحث عن مصادر تمويلية جديدة للمنظومة التعليمية وقد صرفت ملايين الدراهم في مخططات سابقة (المخطط الاستعجالي2009-2012)، دون فعالية ولا نجاعة، في غياب أي ربط للمسؤولية بالمحاسبة كما ينص على ذلك دستور المملكة؟

-إذا كان هاجس الدولة والفاعلين السياسيين الرسميين هو النهوض بأداء ومردودية المدرسة العمومية، فكيف يمكن إقناع فئات اجتماعية معينة من زبناء القطاع الخاص ومدارس البعثات الأجنبية (ميسورة ومتوسطة) للعودة إلى التعليم العمومي؟ فرهانات المدرسة على هذا المستوى لا تنحصر فقط في الجانب التحصيلي المعرفي الصرف، بل تتجاوزه لتتخذ أبعادًا رمزية وثقافية مرتبطة بالمواقع والوضعيات والمكانة الاجتماعية.

– ثم ماذا عن إشكالية جودة التربية والتكوين؟هل تضمن الموارد المالية فعالية النموذج البيداغوجي وجودة المخرجات؟

-و أخيرا وليس آخرا، فإذا كان الأداء يستهدف الفئات «القادرة عليه»، كيف يمكن جعل ذلك إجراءً عمليًّا، بالنظر إلى العجوزات والثغرات التي أبانت عنها أنظمة الاستهداف Systèmes de ciblage في بعض البرامج، كنظام المساعدة الطبية RAMED المعروف، والذي أطلقته وزارة الصحة المغربية لفائدة المعوزين؟

يبدو أن النقاش في نظرنا، يجب أن ينصب على الكيفيات والإجراءات والاستراتيجيات الملموسة لتحقيق المدرسة المأمولة، مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص، بعيدا عن منطق نضالي غالبا ما يجعلنا أمام نوع من العمى المنظم.

إن حلول أزمة المدرسة المغربية اليوم، تمتد إلى أبعاد سياسية وسوسيولوجية وثقافية، تتجاوز ما هو تقني أو إداري أو مالي، مما يتطلب رؤية أكثر شمولية، في عالم يزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.فالمواطن المغربي، بمختلف ألوانه وفئاته، في حاجة ماسة إلى تعليم نوعي، ينمي لديه الحس النقدي وملكة التفكير في التناقضات المتصارعة باعتبارها قد تشكل مدخلًا للوحدة والتكامل الاجتماعي، وبما يضع حدا لكل أنواع الهدر المادي والرمزي، ويحقق النهضة الشاملة.

 

مقال ل محمد مهذب

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

تعليق واحد على “التعليم في المغرب من أين؟ و إلى أين؟”

  1. التعقيبات: سيدي المختار نيوز | المنظومة التعليمية في المغرب آلة لتفريخ الجهلة والعاطلين والفاشلين

التعليقات مغلقة