سيدي المختار نيوز | التعاقد في التعليم فُرض بالطريقة الرأسمالية الكلاسيكية (العقلانية الصارمة و المغالطة السيكولوجية)

التعاقد في التعليم فُرض بالطريقة الرأسمالية الكلاسيكية (العقلانية الصارمة و المغالطة السيكولوجية)

img

التعاقد في التعليم فُرض بالطريقة الرأسمالية الكلاسيكية (العقلانية الصارمة و المغالطة السيكولوجية)

بعد الثورة الصناعية، و حين امتلك البرجوازيون الآلة، زاد إنتاجهم و امتدت مصانعهم و معاملهم، فكانوا بذلك في حاجة إلى يد عاملة تعمل على تشغيل الآلة و تكميل الإنتاج، إلا أن هذه اليد كان جلها في الأرياف التي يستحوذ عليها الإقطاعيون.

إقرأ أيضا : الديمقراطية تعني حكم المشعوذين الذين يخدعون الجهلة ,ماذا عن الإبستوقراطية والتكنوقراطية ؟

كان الأسياد في الأرياف يفرضون على الأقنان العمل المُجهد بدون مقابل بإستثناء العيش بما يضمن استمرارهم في الحياة و تمكينهم من بعض الحقوق البيولوجية الأخرى، و لكن كانت حياتهم مرتبطة كل الإرتباط بالسيد، بمعنى أنهم كانوا أتباعا بدون استقلال. لهذا حين سمع هؤلاء الأقنان بأن هناك مدنا ناشئة تحتوي على مصانع تحتاج إلى عمال مقابل الأجر وجدوا بأن وضعهم الآني سيء جدا، لهذا بحثوا عن سبل للتخلص من حياتهم الحالية و الهروب نحو المدن للحصول عن حياة أفضل.

و لفعل ذلك تم إتباع طرق مختلفة للتخلص من التبعية المفروضة من الأسياد، فكان منهم من هرب هروبا ماكرا و منهم من قدم مقابلا للسيد من أجل التمتع بحريته. و في الأخير حصلت البرجوازية على اليد العاملة المطلوبة مقابل أجر زهيد.

إقرأ أيضا : الخروج على الحاكم ، توغل في حديث «أطع الأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»

و بالفعل، اعتقدت البرجوازية أنها أكثر إنسانية من الإقطاع، لأنها لم تفرض عملها على أحد. إلا أن هذا لا يُغير من الواقع شيئا، فالإستغلال ظل كما هو حتى و إن تحول من إستغلال مقابل الحماية إلى إستغلال مقابل الأجر. و مع ذلك ظلت البرجوازية بكل عجرفة تعتقد بالعكس بأنها لم تفرض عملها على أحد، و إنما أتى العاملون إليها بإختياراتهم الحرة، فلا أحد جعل هؤلاء العمال يعملون رغما عن إرادتهم. بل كانت لهم الحرية في الإختيار بين حياتهم القديمة و عملهم الحالي.

إذاً اعتبرت البرجوازية أن أي اعتراض عن الوضع الحالي هو إعتراض لاعقلاني و غير منطقي و لدحض هذا الإعتراض طرحوا سؤالا على العمال المنتفضين عن وضعهم المزري في المعامل: “ألستم أنتم من هربتم من حياتكم القديمة المتسمة بالإضطهاد فوجدتم مصانعنا ملاجئا لكم، فهل نحن من فرضنا عليكم هذا العمل أم أنتم من اخترتموه بكل حرية؟”

إنه حقا سؤال منطقي و عقلاني إلا أنه يتغاضى هنا عن مغالطة سيكلوجية متعفنة. فالسؤال يعتمد على صرامة عقلانية لا تُعطي للظروف الواقعية و النفسية أية قيمة أنطولوجية في إتخاذ القرارات. و هذه المغالطة تعود جذورها لعهد سقراط الذي ربط بين فعل الفضيلة و معرفتها، معتقدا أن الشخص الذي يتخذ قرار فعل الشر يقوم بذلك لأنه جاهل بالفضيلة. و هاته العقلانية لا تبالي بالجانب النفسي و الظروف الواقعية في إتخاذ القرارات.

إقرأ أيضا : الفوج الرابع مزهرية من أجمل زهور الدنيا , كلمة لشخص تعلم منكم الكثير

و لنفهم عمق هاته المغالطة السيكولوجية لابد من تحليل إشكالية الحرية، و الشروط الممكنة لتحققها، و لن نتعمق بشكل دقيق في القضية و إنما سنعطي فقط البناء الفلسفي للطرح، بالشكل الذي سيجعل الفكرة أكثر وضوحا.

تتخذ الحرية محورها حول الإختيار، فلا وجود للحرية بدون إختيار، فالعلاقة بينهما هي علاقة ميكانيكية متنية، فالحرية تتمدد أو تتقلص حسب كمية الإختيارات المطروحة أمام الشخص، فكلما كانت الإختيارات متعددة كلما كانت الحرية متمددة، و بالعكس، كلما نقص عدد الإختيارات كلما تقلص مجال الحرية. و هنا تظهر المغالطة السيكولوجية. و لنفهم ذلك سنطرح السؤال الآتي: “هل الحرية تكون قائمة بين إختيارين أحدهما أفضل من الآخر؟”

إن حل السؤال سيعتمد على أطروحة المدرسة النفعية القائمة على فكرة أن الإنسان يختار ماهو أنفع له. و هو طرح يعترف بأنانية الإنسان الذي يسعى إلى الوصول إلى ماهو أفضل له، مُعتمدا على منهجية المقارنة كأسلوب في الإختيار. فلو وضعنا شخصا بين إختيارين أحدهما يحتوي على موزة و أخرى على موزتين فإنه بالفعل سيختار الثانية، و هذه حتمية سيكولوجية لا يمكن التغاضي عنها، لهذا الإختيار هنا إضطرار و ليس إختيارا حرا. وهنا تكمن المغالطة السيكولوجية، فالإختيار بين إحتمالين أحدهما أفضل من الآخر هو إضطرار و ليس حرية، فليس فعل الإختيار حرية بالحتمية، و من يعتقد ذلك يقترف المغالطة السيكولوجية.

إذا الإختيار بين بديلين لا يُحتم الحرية و إنما يُؤكد الأنانية كحقيقة إنسانية، و من يضع شخصا أمام إختيارين أحدهما أفضل من الآخر يعرف مُسبقا أن قرار هذا الشخص سيأتي على أساس أناني سينتهي بإختيار الأفضل، مما يعني أن الذي وضع هذا الشخص بين هذين الإختيارين يعترف مسبقا بأن الشخص الموضوع في التجربة سيختار الإختيار الأفضل، و هذا إعتراف ضمني يعني أن واضع الإختيارين قد عمد إلى هذه العملية ثم جعل نفسه و كأنه ليس بعلم بالأمر فطرح السؤال المنطقي الصارم الذي طرحته البرجوازية سابقا، متغاضيا عن الدافع السيكولوجي.

إن التعاقد في التعليم بديل للبطالة، و الوزارة تعرف منذ الوهلة الأولى أن الأشخاص سيختارون الإختيار الأفضل بالنسبة لإختيار البطالة، و هاته المعرفة المُسبقة تدل على أن أسلوب الوزارة في فرض التعاقد في التعليم هو أسلوب عقلاني صارم يعتمد على المغالطة السيكلوجية. وهذا إن أكد شيئا إنما يؤكد مدى قتامة الأساليب الممارسة في حق الشباب المغربي، و هي أساليب تعود أصولها لبداية الرأسمالية الكلاسيكية المتجاوزة.

إذن التعاقد في التعليم مفروض و ليس مُختارا، و لو هناك بديل أفضل لتم إختياره، مما يعني أن الإعتراض بأن الأساتذة إختاروه بمحض إرادتهم هو إعتراض تم طرحه سابقا في عهده الرأسمالية الكلاسيكية و تبين مدى تعفنه. فمن حق أي شخص أن يختار الأفضل، و لكن هذا لا يعني أنه حر في إختياره مادام أن واضع الإختيار يعرف مُسبقا بأن الشخص سيختار ذلك الإختيار. و بالتالي فإن الأساتذة المُنتفضين على الوضع الحالي هو إختيار يبحث عن ماهو أفضل من الواقع الذي يعيشونه، و هذا إختيار أكثر حرية لأنهم هم من أبدعوا الإختيار و ليس مفروضا عليهم من الخارج، إذن الإنتفاضة على الوضع القائم هي التي تُؤكد الحرية في كل هذا.

-ملاحظة: هذا المقال جاء كتلبية لطلب صديق عن رأيي في السؤال القائل : “مادام الأساتذة قد اختاروا التعاقد في التعليم فلماذا الآن ينتفضون ضده؟” .

 

مقال ل محمد أمزيل

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة