سيدي المختار نيوز | الاختلاف : مات التنوع و ظهر التشدق و التعصب

الاختلاف : مات التنوع و ظهر التشدق و التعصب

img

نحن الآن في عصر تدمير كل القيم، وإعادة البناء على أساس مادي، انتهى عصر إنسانية ديستوفيسكي وغوغل وأنطون تشيخوف. كان لنا في الماضي مراجع تتحدث عن أهمية الاختلاف، كما كان يروى لنا بأن الاختلاف لا يفسد من الود قضية، قيل لنا بأن الاختلاف رحمة بين جميع البشر من مُختلف الطوائف، كُنّا ندرس قيم وأهمية الاختلاف دراسة فقط. ولكن مهلاً أي اختلاف قد حدثونا عنه وما هو جوهره؟ وهل الاختلاف المقصود هنا هو الاختلاف الموجود في عصرنا الحالي؟! في الحقيقة أنا لا اظن بأن الموجود حاليًا هو اختلاف تنوع؛ بل إنني لا أرى حاليًا سوى أن الاختلاف الموجود هو اختلاف تضاد لا يعود بالنفع إلا على طرف واحد.

إذ إننا إذا نظرنا إلى الماضي وتبحرنا في أعماقه سنجد أن أعظم الحضارات القائمة كانت تقوم على الاختلاف بمفهومه التنوعي، أما إذا تحدثنا عن عصرنا الحالي هذا فحدث ولا حرج. وبنظرة لا تحتاج إلى قوة البصيرة سنجد أن الاختلاف الموجود حاليًا هو لا يعتبر اختلافًا تنوعيًّا، ولا اختلاف تضاد، ولكن هو أقرب إلى التضاد بمعنى أدنى! ويمكننا القول بأنه فقط اختلاف مادي من أجل انتشال بعض من أموال البُسطاء، أو من أجل السُلطة.

هو اختلاف التشدق والتشدد، اختلاف إن لم تكن معي فأنت ضدي، اختلاف تعصبي. وكلما يسعني النظر إلى هؤلاء القائمين على الاختلاف، لا أرى منهم سوى النرجسية والكثير من السفسطة العنادية. ولكن هل نستطيع الجزم بأن خلق الاختلاف والنزاع وكل هذا فقط يقام من أجل المال؟ لننظر إلى مثال يكاد يكون به إجابة عن السؤال المطروح، انظر يا عزيزي إلى أي محطة فضائية أو جهة سيادية أو حزب سياسي… إلخ بنظرة تجردية لتستطيع أن تحكم حكمًا عادلاً. بالنظر إلى أي محطة فضائية عشوائية سنجد أن من مصلحة كل قناة أيًّا كان المحتوى الذي تقدمه أن تقوم بإقناع المشاهد بالمُحتوى الذي يقدم، وبأن رأي القناة فقط هو الصواب وكل الآراء المخالفة هي خاطئة. وكل قناة تُقدِم باقة شاملة من البرامج مثل «البرامج الدينية، السياسية، الرياضية… إلخ».

وكل هذه السفسطة والأفكار التي تكاد تكون خاطئة المقدمة للمشاهدين هي فقط من أجل هدف نخيس، وهو المشاهدات لتأتي الإعلانات، ومن ثم تأتي الأموال، أو من اجل تحريك الشارع وعقول المُتعصبين «الذين تم تكوينهم» إلى مسار محدد، والحصول على الأموال من جهات أخرى مجهولة.

وكذلك الجهات السيادية أو الأحزاب، ولكن لهدف يكاد يكون اسمى وهو السُلطة !

ولم يتوقف زرع المفاهيم الخاطئة عند هذا الحد فقط؛ بل بالنظر إلى بعض المُعلمين مُدعين العلم سنجد أن كُل مُعلم من هذه الفئة يذم في المُعلم الآخر أمام تلاميذه من أجل أن يتمسك به الطلاب، ليأخذ من جيوبهم وأموالهم ما تبقى لهم من الجهات الأخرى! وحلقة السفسطة هذه لا تقف عند هذا الحد فقط؛ بل إنها حلقة مُمتدة، والأمثلة موجودة في كل مكان، وفي كل هيئة سواء كبيرة أو صغيرة.

أنا لا أتحدث عن مؤامرة كونية؛ بل أتحدث عن واقع ملموس نراه في كل مكان. وكل هذا وذاك أصاب عصرنا بمرض الاختلاف الذي نرى أعراضه حاليًا في كل مكان، وأنا أرى وبكل وضوح أن الشخص الوحيد الناجي من كل هذه الحرب هو الشخص الباحث عن ما ينفعهُ، الشخص الذي ترك تعصبه جانبًا وبدأ بالبحث عن الحقيقة، الشخص الذي ترك الانتماءات، وأصبح لا يكترث بالمُسمى، وبدأ بالبحث عن جوهر وروح كل شيء، إن مفهوم الاختلاف بريء -براءة الذئب من دم ابن يعقوب- من كل المفاهيم الموجودة حاليًا، نحن نبحث عن عالم بلا نزاع، عالم يُنتج غذاءً ودواءً بدلاً من إنتاج بارود وقنابل، نريد عالم يليق بالإنسانية.

مقال ل عمر عبد السلام

الكاتب محمد بوحدة

محمد بوحدة

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة